غرر الأخبار و درر الآثار في مناقب أبي الأئمة الأطهار(ع) - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٧٠ - الفصل الرابع و الثلاثون يتضمّن شيئا من مدائح أمير المؤمنين
ليس مريد الدنيا؛ فمريد الدنيا ليس له إلّا ما قسم له، و إن طغى و بغى و تجبّر و تكبّر و غنى فليس له في الآخرة نصيب، و مريد الآخرة مستوف ما قسم له من الدنيا و هي و أهلها راغمة و راغمون و نصيبهم في الآخرة.
فمريد له أضعاف مضاعفة في أحوال الآخرة، كما قال تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) [١]، فالغبن و العلوّ و الملك ما هو في هذه الدار، لعدم بقائها و لسرعة فنائها، فلهذا لم يرتضيه اللّه لأحد من أوليائه و لم يظنّ بها على أعدائه؛ و رضوا أولياؤه بذلك و احتملوا ضرّها و بلواها و بؤسها و القتل فيها و الذلّ و غير ذلك من أصناف البلاء، كلّ ذلك زهدا فيما يفنى مراعاة لربّ الآخرة و الأولى، فإنّه سبحانه و تعالى لا يحبّها، لكونها مشغلة عن عبادة اللّه، مانعة لحقوق اللّه، متعدّية لما حرّم اللّه، فكيف يحبّها سبحانه و تعالى؟!
و كذلك الشيطان فإنّه قال: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) و لأهوننّ عليهم أمور الآخرة فلا يعبؤون بها و لا يهتمّون بها (وَ مِنْ خَلْفِهِمْ) أي: لأرغّبهم في جمع المال و المنع من حقوقه ليخلّفوه لمن خلفهم، ثمّ (عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ) [٢]، لأغريهم بالشهوات و لأفتنهم باللذّات، قال ذلك ظنّا، كما قال تعالى: (وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [٣].
و قال في الهوى: (أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا* أَمْ تَحْسَبُ
[١] الشورى (٤٢): ٢٠.
[٢] الأعراف (٧): ١٦- ١٧.
[٣] سبأ (٣٤): ٢٠.