زبدة الأصول - الروحاني، السيد محمد صادق - الصفحة ٣٢٤ - أقوال الجبريين
كثيرون، فانهم لما رأوا شناعة المذهب الأول فروا منه بما لا ينفعهم، و قالوا: ان أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه وحده و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك صانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله تعالى ابداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد.
و قد ذكروا في المراد من الكسب وجوها، أحسنها ما قاله القاضى أبو
بكر الباقلانى [١]، و هو أن الإنسان، و ان كان فعله صادرا عنه بغير تأثير منه في صدوره، الا أن تلونه بلون حسن أو قبيح انما يكون بقدرته و اختياره. مثلا: ضرب اليتيم إذا صدر منه يكون المؤثر في أصل تحققه هو اللّه تعالى، الا أن قصد كونه للتربية فيكون حسنا أو الظلم فيكون قبيحا انما فوض إلى العبد، و هذا هو المعيار للثواب و العقاب [٢].
و لكن الظاهر أنه لا ينفعهم ذلك أيضا، إذا القصد بنفسه فعل من
[١] هو ابو بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني القاضي، أصله من البصرة و عاش في بغداد استدعاه عضد الدولة الديلمي إلى بلاطه في شيراز، فمكث هناك مدّة ثم عاد إلى بغداد بعد وفاة عضد الدولة و يعد الباقلاني من أهم متكلمي المدرسة الاشعرية، كان معاصرا للشيخ المفيد و كان للمفيد معه مناظرات لطيفة و نافعة اوردها (ره) في كتابه مسألة في النص على علي (ع) ج ٢ ص ٢١ تحقيق محمد رضا انصاري، دار المفيد بيروت، و تجد ترجمة الباقلاني في تاريخ التراث العربي ج ٤ ص ٤٨.
[٢] هذا المعنى ذكره الباقلاني في كتاب الانصاف، كما نسبه اليه غير واحد من الاعلام، راجع ملحقات الاحقاق ج ١ ص ٤٠٠ و ج ٢ ص ٥١ لآية اللّه المرعشي النجفي (قدِّس سره).