زبدة الأصول - الروحاني، السيد محمد صادق - الصفحة ٣٥٨ - الاستدلال للجبر بمبدئية اللّه سبحانه
اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [١] فكل ما يصدق عليه اسم شيء- و من ذلك الأفعال الاختيارية- فهو مخلوق لله تعالى
منسوب إليه.
أقول: انه كما لا تنافى بين تأثير العلل و الاسباب الطبيعية في المعلولات و المسببات نظير تأثير النار في الحرارة و ما شاكل، و بين مبدئيته تعالى بعد كون زمام أمر العلل و الاسباب بيده سبحانه، و لذلك قد يسند القرآن الأفعال الطبيعية إلى فواعلها، و قد يسند الجميع إلى اللّه سبحانه. كذلك لا تنافى بين كون الفعل الاختياري منسوبا إلى الإنسان و بين استناده إلى اللّه تعالى بعد كون أصل وجوده و حياته و قدرته حدوثا و بقاءً بافاضة من اللّه.
و لذلك نرى أنه قد جمع في كثير من الآيات بين الاثباتين جميعا، فنسب الفعل إلى فاعله و إلى اللّه سبحانه، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [٢]، فنسب أعمال الناس إليهم و نسب خلق أنفسهم و أعمالهم إليه تعالى، و قوله عز و جلّ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [٣] فنسب الرمي إلى رسول اللّه و نفاه عنه و نسبه إليه تعالى.
مع أن الآيات المشار إليها انما هي في غير الأفعال الاختيارية، بل فيما يجعل شريكا لله تعالى من الجن و الشمس و القمر و ما شاكل ذلك و تدل على أنها
[١] الآية ٥٤ من سورة الأعراف.
[٢] الآية ٩٦ من سورة الصافات.
[٣] الآية ١٧ من سورة الأنفال.