بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٣٧ - الأمر الثاني في الوضع
فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه بل في لفظ آخر، بخلاف القسم الأوّل؛ فإنّ معناه أمر متصور يكون بحذائه. و لا ينافي ذلك قولهم: «من» للابتداء، فإنّه في مقام بيان ما تفيده لفظة «من» من أنحاء الارتباطات، فلا بد من ذكر ما يفيده تصورا بعد الانتزاع، و هو لفظ الابتداء.
فظهر بما ذكرناه أنّ لفظة «من» لا يقع بحذائها شيء من المعنى مطلقا، بل و لا تفيد أيضا فائدة إلّا إذا ضمّت إلى لفظي الطرفين، فحينئذ تفيد تخصّص الطرفين بما ذكرناه من الخصوصيّة. و هذا هو مراد الرضى (قدّس سرّه) بقوله: «فالحرف وحده لا معنى له أصلا، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ فيه فائدة ما، فإذا أفرد عنه بقي غير دالّ على معنى في شيء»، و قوله: «و معنى «من» مدلول لفظ آخر ينضاف إلى معناه الأصلي». فاندفع بهذا ما أوردنا عليه سابقا من التناقض.
فكلامه (رحمه اللّه) في غاية التحقيق، و لكن تسليمه الاعتراض بالمصدر المضاف و اعتذاره عنه بأنّه ليس بالوضع، كأنّه أجنبيّ عمّا هو التحقيق، و لا ينبغي صدوره من مثله؛ فإنّ «الضرب» له معنى يقع بحذائه، غاية الأمر أنّه قائم بغيره، و لذا يمكن أن يحكم عليه و به، و أين هو من الحروف التي لا يقع بحذائها شيء من المعنى أصلا، و إنّما يكون ما تفيده فيما بحذاء لفظي الطرفين؟ و من هنا يكون إرجاع الضمير في قولهم:
«الحرف ما دلّ على معنى في غيره» إلى اللفظ أولى من إرجاعه إلى المعنى، لصدقه على التقدير الثاني على ألفاظ الأعراض مع أنّها ليست