بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٣٦ - الأمر الثاني في الوضع
الارتباط، لا لأن يتصوّر بحذائه ذلك الارتباط حتى يخرج عن كونه ارتباطا حقيقيّا، و ينتقض الغرض، بل لأن يفهم بسببه ما يفهم من اللفظين من المعنى متخصّصين بخصوصيّة تكون منشأ لانتزاع ذلك الارتباط منهما إذا نظر إليهما العقل بنظر آخر غير هذا النظر الذي يكون الارتباط بحسبه ارتباطا بالحمل الشائع و مندكّا في الطرفين. فهذا القسم هي الحروف الدالة عليها، و القسم الأوّل أسماؤها.
و يدلّ على ذلك أنّك إذا سمعت قائلا يقول: «السير»، «الصدور»، «زيد»، «الابتداء»، «البصرة»، «الانتهاء»، «الكوفة» تصوّرت معاني بعضها جواهر و بعضها عرض و بعضها ارتباطات بالحمل الذاتي، من [دون] أن تفهم أنّ شيئا منها مرتبط إلى آخر بشيء من الارتباطات.
و إذا سمعته يقول: «سار زيد من البصرة إلى الكوفة» فهمت وجود سير مرتبط إلى زيد بصدوره منه و إلى البصرة و الكوفة باقتطاعه عندهما أوّلا و آخرا؛ فيعلم بذلك أنّ ألفاظ «الصدور» و «الابتداء» و «الانتهاء» توجب تصور تلك المفاهيم المنتزعة المستقلّة، بخلاف هيئة الفعل و الفاعل و «من» و «إلى» الواقعتين بين المتعلق و المجرور، فإنّها تفيد السير المرتبط إلى زيد و البصرة و الكوفة، أي تفيد منشأ انتزاع هذه المفاهيم. و لهذا لا يصح استعمال كل منهما في موضع الآخر؛ لأنّ كيفيّة عملهما في المعنى مختلفة، بل في غاية المباينة. و لا يمكن وقوع الحرف محكوما عليه و به؛ إذ ليس له معنى متصور بحذائه حتى يحكم عليه أو به، و ما يفيده أمر مندك في معنى طرفيه، و لذا قال الرضي: