الحاشية الأولى على الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٥٢٤ - الاولى النيّة
و الواجب القصد، و لا عبرة باللّفظ، (١) بل يكره؛ لأنّه كلامٌ لغير حاجة بعد الإقامة.
فلمنافاته الاستدامة الحكميّة. و مثله ما لو تردّد في القطع، أو شكّ فيه. هذا إذا لم يكن من خواطر النفس التي يبتلى بها الموسوسون، فإنّ ذلك لا عبرة به. و لا فرق في البطلان بنيّة القطع بين نيّته في الحال، أو بعده في أثناء الصلاة.
و أمّا الثاني؛ فلأنّ إرادة أحد الضدّين تنافي إرادة الآخر، و ذلك يستلزم قطع الاستدامة الحكميّة أيضا. و لا فرق في المنافي بين المنافي بالذات كالحدث و الكلام و الاستدبار، و المنافي بالعرض كالذكر رياء، فإنّه بحسب الذات من أفعال الصلاة أو مكملاتها، و إنّما صار منافيا بعروض قصد الرياء و حكايته قولا هنا يشعر بتوقّفه فيه، و قد اختاره في باقي كتبه [١].
قوله: «و الواجب القصد، و لا عبرة باللفظ». لما تقدّم من أنّ النيّة عبارة عن القصد المحض [٢]، فلا مدخل للفظ فيه، فيكون كالكلام الأجنبي بعد الإقامة، و هو مكروه كما ورد به النقل. [٣]
و أشار بذلك إلى الرّد على ما يخطر لأهل الوساوس الشيطانيّة و الحماقة النفسانيّة، من توهّم صعوبة استحضار النيّة بدون تجشّم المشاقّ القويّة و تكرار الألفاظ المعدّة للنيّة، حتّى صيّر الشيطان بعضهم هجنة [٤] للعقلاء، بل ضحكة للأغبياء الجهلاء.
و كيف يتوهّم العاقل المختار- الذي يصدر عنه في آناء الليل و أطراف النهار أفعال كثيرة، مختلفة المقاصد، متباينة الغايات و الفوائد، و كلّها لا يوقعها إلّا بعزيمة حازمة و نيّة جازمة- أنّ القصد إلى فعل من الأفعال أو سبب من الأسباب يتوقّف على هذا التكلّف و الاضطراب، و إنّما النيّة أمر مركوز في جبلة العقلاء، بل كثير من المجانين الأغبياء
[١] الذكرى: ١٧٨، البيان: ١٥٣، الدروس ١: ١٦٦.
[٢] تقدّم في الصفحة: ٥١٩.
[٣] التهذيب ٢: ٥٥/ ١٩١، الاستبصار ١: ٣٠١/ ١١١٢.
[٤] الهجنة في الكلام: ما يلزمك منه عيب، تقول: لا تفعله فيكون عليك هجنة. العين ٣: ٣٩٢، تاج العروس ١٨:
٥٨٢ «هجن».