شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١ - الفصل الثالث فى بيان تناهى الأبعاد
أما من ينكر كون العدم شيئا. فكيف يليق به هذا الكلام؟ و جوابه:
أن المراد من هذا الكلام: أن صحة حدوث الحوادث لا تنتهى الى حد لا ينفى الصحة و يحصل الامتناع. فعبر «الشيخ» عن هذا المعنى بهذه العبارة. و بعد الوقوف على المعنى، فلا مشاحة فى العبارات. و هذا آخر الكلام فى هذا البرهان [٨]
البرهان الثاني على وجوب تناهى الأبعاد:
قال الشيخ: «لو كان بعد غير متناه فى خلاء أو ملاء، لكان لا يمكن أن تكون حركته مستديرة. فاذا اذا أخرجنا من مركزها خطا الى المحيط، بحيث لو أخرج فى جهة قاطع خطأ مفروضا فى البعد غير المتناهى على نقطة، فانها اذا زالت تلك النقطة عن محاذاة المقاطعة الى السامتة، اذا صارت فى جهة أخرى، فيصير بعدان. كان المركز مسامتا بها شيئا من ذلك الخط، غير مسامت لشىء منه، ثم يعود مسامتا فلا بد من أول نقطة تسامت فى ذلك الخط و آخر نقطة تسامت عليها، لكن أى نقطة فرضناها على خط غير متناه، فانا نجد خارجا نقطة أخرى يمكننا أن نصلها بالمركز، فيكون القطع الحاصل اذا بلغته النقطة صار مسامتا قبل أول ما سامتته أو بعد آخر ما يسامت. لكن الحركات المستديرة ظاهرة الوجود، فالأبعاد غير [٩] المتناهية ممتنعة الوجود»
التفسير: تقرير هذا الدليل أن يقال: لو كان وجود بعد غير متناه معقولا، لكان وجود خط غير متناه معقولا، فلنفرض خطا لا نهاية له، و لنفرض كرة خرج من مركزها خط متناه، مواز لذلك الخط غير المتناهى، فاذا تحركت الكرة بحيث يصير ذلك الخط الموازى مسامتا، فنقول: انه ما كان مسامتا ثم صار مسامتا. و هذه المسامتة أمر حادث.
ففى الآن الذي هو أول آنات حدوث المسامتة لا بد و أن يصير مسامتا لنقطة معينة لكن فرضنا أن ذلك الخط غير متناه، فيمتنع من ذلك أن كل نقطة فرضناها فى الخط غير المتناهى، و حكمنا بأن تلك النقطة هى أول
[٨] الفصل: ص.
[٩] الغير: ص.