شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠ - الفصل الثالث فى بيان تناهى الأبعاد
ثم ان «الشيخ» ابتدأ بذكر البرهان فقال: ان كل غير متناه، فيمكن أن يفرض فى كله حد، و يفرض أبعد منه حد آخر فى بعض الجهات فاذا توهمنا بعدا يصل بين الحدين مجتازا الى غير النهاية، لم يخل اما أن يكون ما يبتدئ من الحد الثاني لو أطبق على ما يبتدئ من الحد الأول لحاذاه و ساواه، و لم يفضل أحدهما على الآخر أو فضل.
و اعلم: أن هذا الكلام ظاهر. و ذلك لأن الخط الذي لا نهاية له، اما من الطرفين معا، و اما من أحد الطرفين وحده. فانه يمكننا أن نفرض فيه نقطة، فيكون ذلك الخط من تلك النقطة الى ما لا نهاية له حطا. و نضم اليه من هذا الطرف المتناهى شبرا آخر، فيكون هذا الخط من طرف هذا الشبر الى ما لا نهاية له خطا آخر. فاذا أطبقنا فى الوهم بين هذين الطرفين فاما أن يمتد الى ما لا نهاية له من غير أن يظهر التفاوت بينهما أصلا، أو مع أنه يظهر التفاوت. و القسم الأول باطل، و الا لزم كون الزائد مساويا للناقص. و ذلك محال. و هذا القدر من البيان كاف فى ابطال هذا القسم، الا أن «الشيخ» بالغ فى ابطال هذا القسم و قال: كل ما لو أطبق على شىء و لم يفضل عليه، فليس بأنقص و لا بأزيد. فلو كان المأخوذ من الحد الثاني منطبقا على المأخوذ فى الحد الأول من غير تفاوت لكان مساويا له من غير زيادة و نقصان.
لكن المأخوذ من الحد الثاني كان أنقص من المأخوذ عن الحد الأول، فيلزم أن يكون المساوى للشيء أنقص منه. و ذلك محال.
و اما قوله: و ان فضل فهو متناه، فالجملة متناهية. فالمراد: أنه لما ثبت أنه لا بد و أن ينقطع طرف الخط الناقص. فنقول: انه متناه و الفضلة أيضا متناهية و المتناهى مع المتناهى متناهى، فيكون الكل متناهيا. و هو المطلوب. و أما قوله: بل الأمور التي لا نهاية لها هى فى العدم و لها قوة وجود و كل ما حصل منها فى الوجود يكون متناهيا. فاعلم: أن ظاهر الكلام فيه سؤال. و هو أن العدم نفى محض. فكيف يقال: الأمور التي لا نهاية لها هى فى العدم؟ و الحكماء أشد الناس انكارا على من يقول: العدم شىء.
و ظاهر هذا الكلام انما يستقيم على هذا المذهب.