شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٩ - الفصل الثالث فى بيان تناهى الأبعاد
و رابعها: هو أن هذه الأحياز مشار اليها بالحس. و مقصود اليها بالحركة. فان الجسم اذا انتقل من حيز الى حيز، فأحد ذينك الحيزين مطلوب، و الآخر مهروب. و ذلك أيضا فى العدم المحض محال.
فالحس كيف يسير الى العدم المحض؟
فثبت بهذه الوجوه: أن الخلاء الصرف أبعاد موجودة. و اذا ثبت هذا، بطل الفرق الذي ذكره المتكلمون و جزى الدليل المذكور فى تناهى الخلاء.
و الوجه الثاني فى بيان أن الفرق الذي ذكره المتكلمون فاسد:
هو أن نقول: هب أن هذا الخلاء عدم محض، لكنكم مع ذلك تصفونه [٦] بأنه غير متناه، و (تصفونه) بالصغر و الكبر، و تحكمون عليه بالمساحة و المقدار و تشيرون اليه بالحس. نقول: ان كونها معدومة، لما لم يمنع من وصفها بهذه الأوصاف، فكذا كونها معدومة وجب أن لا يمنع من وصفهما بصحة التطبيق بحسب المراتب. و اذا كان الأمر كذلك، فحينئذ يجرى هذا الدليل فيه. فثبت أن الذي ذكره المتكلمون من الفرق بين الخلاء و الملاء فاسد.
أما قوله: و لا عدد له ترتيب فى الطبع. فاعلم: أن الأجسام و الأبعاد أمور يحصل فيها ترتيب فى الوضع. و أما العدد الذي يحصل فيه ترتيب فى الطبع، فهو اشارة الى العلل و المعلولات. و نحن قد بينا أن هذا الدليل انما يتم فى هذين الوضعين. فأما العدد الذي لا يحصل فيه ترتيب لا فى الوضع و لا فى الطبع. فهذا الدليل لا يجزئ فيه. و أما قوله.
لا يجوز أن يكون ذلك موجودا بالفعل. فالمراد: أن البرهان المذكور انما يجرى فى أعداد موجودة بالفعل. فأما ما لا يكون كذلك، فهذا الدليل لا يجزئ فيه. و هو احتراز عن الحركات الماضية والدة الماضية و المدة المستقبلة و مراتب التضعيفات و مراتب الأعداد. و بالجملة: فأكثر الأمور التي أوردناها فى السؤال، أجبنا [٧] عنها بأنها أمور غير موجودة فى الأعيان.
[٦] تصفون: ص.
[٧] و أجبنا: ص.