شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٩ - المسألة الثانية
و لقائل أن يقول: هذه الصورة العقلية التي زعمتم أنها مجرد [١٨] صورة جزئية مشخصة حالة فى نفس «زيد» و تكون مقرونة بسائر الصفات القائمة بتلك النفس. فكيف زعمتم: أنها صورة كلية مجردة؟ بل نقول: القول باثبات الصورة المجردة محال فى العقول. لأن ذلك المجرد اما أن يكون موجودا أو معدوما، فان كان موجودا فأما أن يكون فى الخارج أو فى الذهن. و الأول باطل لأن كل ما يكون موجودا فى الخارج فهو شخص معين، فلا يكون مجردا. و الثاني باطل لأن كل ما حصل فى ذهن معين، فهو صورة شخصية حالة فى نفس معينة، و لا يكون مجردا. و أما ان كان معدوما فالمعدوم نفى محض و عدم صرف، فيمتنع وصفه بكونه مجردا أو يكون مشتركا فيه.
لا يقال: المراد من قولنا: ان الصورة الذهنية كلية أنا لو حذفنا شخصيتها و كونها فى الذهن، فان تلك الماهية من حيث هى هى تكون منطبقة على ماهية جميع الأشخاص الخارجية. لأنا نقول: اذا أقنعتم بهذا القدر، فلم لا تقولون بأن الشخص المعين الموجود فى الأعيان أمر كلى؟ بمعنى أنا لو حذفنا شخصيتها و كونها فى الأعيان، لكانت تلك الماهية منطبقة على ماهية جميع الأشخاص الذهنية و الخارجية.
قال الشيخ: «فالإنسان الذي يصدر عنه هذه الأفعال يسمى نفسا ناطقة. و له قوتان: احداهما: معدة نحو العمل و وجهها الى البدن، و بها يميز بين ما ينبغى أن يفعل، و بين ما لا ينبغى أن يفعل، و ما يحسن و يقبح فى الأمور الجزئية. و يقال له: العقل العملى. و يستكمل فى الناس بالتجارب و العادات»
التفسير: المراد: أن النفس الناطقة لها قوتان: احداهما عملية.
و هى التي باعتبارها يتمكن من تدبير البدن. و بهذه القوة يميز الانسان بين ما ينبغى أن يفعل، و بين ما لا ينبغى أن يفعل، و ما يحسن و ما يقبح
[١٨] مجردة: ص.