شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٨ - المسألة الثانية
الجسمانية. و لا سبيل لها الى أن ترتسم فيها مجرد ماهية الانسان حتى يكون ما يشاكل فيها نفس تلك الماهية. و هذا يظهر بأدنى تأمل. و الحس كأنه نزع تلك الصورة عن المادة و أخذها فى نفسه. لكن نزع. اذا غابت المادة غاب، و نزع مع العلائق العرضية المادية. فاذن لا مخلص للحس الا مجرد الصورة. و أما الخيال فانه (قد) يجرد الصورة تجريدا أكبر من ذلك. و ذلك أنه يستحفظ الصورة و أن غابت المادة. لكن ما يتراءى للخيال من الصورة المأخوذة عن الانسان مثلا لا يكون مجردا عن العلائق المادية. فان الخيال ليس يتخيل صورة الا على نحو ما، من شأن الحس أن يؤدى اليه. و أما الوهم فانه و ان استثبت معنى غير محسوس، فلا يجرده الا متعلقا بصورة خيالية.
فاذن لا سبيل لشىء من هذه القوى أن تتصور ماهية شىء مجرد عن علائق المواد و زوائدها الا النفس الانسانية. فانها هى التي تتصور كل شىء بجده، كما هو منقوص عنه العلائق المادية. و هى المعنى الذي من شأنه أن يوقع على كثيرين. كالانسان من حيث انه انسان فقط.
فأما اذا تصور هذه المعانى، تعدى التصور الى التصديق بأن يؤلف بينهما [١٧] على سبيل القول الجازم»
التفسير: قد عرفت أن الشخص المعين من الناس انما صار ذلك الشخص لأن الانسانية انضافت اليها أعراض كثيرة، و صار مجموعها ذلك الشخص. اذا عرفت هذا فنقول: الادراك اما أن يكون ادراكا للجزئى، أو للكلى. فان كان ادراكا للجزئى فاما أن يكون ادراكا يتوقف على حصول المدرك فى الخارج، أو لا يتوقف. و الأول هو الاحساس، فانه عبارة عن ادراك هذا الشخص من حيث انه هذا، بشرط أن يكون ذلك الشخص حاضرا. و الثاني هو التخيل، فانه يمكننا أن نتخيل صورة «زيد» بعينه، و ان لم يكن «زيد» حاضرا.
و أما ادراك الكلى. فهو أن يعقل الانسان من حيث انه انسان، مع قطع النظر عن جميع لواحقه و صفاته الزائدة عليه. و هذا الادراك هو التجريد التام.
[١٧] منها: ع.