شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٠ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
فان قالوا: الخطان اذا تداخلا، فانما يتداخلان فى جانب العرض.
فالخط لا مقدار له فى جهة العرض، و السطحان اذا تداخلا فانما يتداخلان فى جانب العمق، و السطح لا مقدار له فى جانب العمق. فثبت: أن الأشياء التي ينفد بعضها فى بعض فانه ليس لها مقدار البتة من الاعتبار الذي حكمنا عليه بالتداخل، بخلاف مسألتنا هذه. فان الأبعاد لو تداخلت لكان لها مقدار من حيث انها صارت متداخلة، فوجب أن يحصل الازدياد فى المقدار. فنقول: حينئذ يعود البحث الأول و هو أن الازدياد فى المقدار، انما يحصل لو امتنع النفود بالكلية، و أنتم بينتم امتناع النفود بالكلية على وجوب الازدياد فى المقدار، فيلزم الدور. و هو محال.
قال الشيخ: «و لو كان الخلاء موجودا، لما كان يختص فيه الجسم المحيط الا بجهة تتعين. و الأجسام التي فى الاحاطة انما تتعين جهاتها بجهة هذا المحيط، فيجب أن يكون لهذا المحيط جهة. اذا لذاته ليس له جهة، بل بحسب شىء آخر»
التفسير اعلم: أن هذه هى الحجة الثانية على نفى الخلاء.
و تقريرها: أن نقول: لو حصل الخلاء خارج العالم، لكان ذلك الخلاء متشابه الأجزاء فى تمام الماهية و لوازمها. و لو كان كذلك، لكان حصول العالم فى بعض أجزاء ذلك الخلاء مع جواز حصوله فى سائر أجزاء ذلك الخلاء، ترجيحا لأحد طرفى الممكن على الآخر من غير مرجح [٤] و انه محال.
فنفتقر فى تقرير هذه الحجة الى مقدمات:
المقدمة الأولى: انه لو حصل الخلاء، لكان ذلك الخلاء غير متناه.
و لقائل أن يقول: أ لستم قلتم: انه ليس خارج العالم لا خلاء و لا ملاء؟ فلم لا يجوز أن يقال: الخلاء الموجود (هو) مقدار متناه. و هو
[٤] ذكر الشارح أدلة القائلين باستواء طرفى الممكن من غير مرجح فى المطالب العالية فى أكثر من كتاب منه.