شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٨ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
و أيضا: فلقائل أن يقول: انا نرى الجسم كل ما كان أشد كثافة، كان النفود فيه أسهل. و الخلاء هو المقدار العارى عن جميع جهات الكثافة الكلية، فلم لا يجوز أن يقال: المانع من هذا النفود هو الكثافة، و لما لم تحصل الكثافة البتة فى الخلاء، لا جرم لم يمتنع نفود غيره فيه؟ و بالجملة:
نحن فى مقام السؤال يكفينا مجرد المطالبة، و عليكم اقامة البرهان القاطع على أن هذا الامتناع لا يوجبه الا مجرد البعدية. و هم لم يذكروا فيه خبالا، فضلا عن الحجة و البرهان.
قال الشيخ: «بل يجب أن يكون مجموع بعدين أعظم من الواحد، كجموع واحدين أكثر من واحد و عددين أكثر من عدد، و نقطتين أكثر من نقطة، لأن النقطة لا حصة لها فى الكبر، بل فى العدد. و البعد له حصلة فى الكبر، كالعدد له حصة فى الكثرة»
التفسير: هذه هى الحجة الثالثة على امتناع تداخل الأبعاد.
و تقريرها: ان مجموع البعدين يجب أن يكون أعظم من الواحد، قياسا على أن مجموع واحدين أكثر من واحد، و عددين أكثر من عدد واحد.
و لقائل أن يقول: انكم بينتم فى علم المنطق: أن التمثيل باطل، و انه لا يلزم من ثبوت حكم فى موضع، ثبوت مثله فى موضع آخر. هذا اذا ذكر بين الصورتين معنى جامع. و أما هاهنا فأنتم قسمتم احدى الصورتين على الأخرى، و لم تذكروا جامعا خياليا. فكان هذا القياس أضعف بكثير من أقيسة الفقهاء و النحويين، فكيف يجوز الالتفات اليه؟
و الذي يحقق هذا: هو أنا نعلم ببديهة: أن مجموع الواحدين أزيد من الواحد وحده. فهل نعلم ببديهة العقل: أن مجموع البعدين اللذين ينفد أحدهما فى الآخر، يكون أزيد مقدارا من البعد الواحد؟ و معلوم أن ذلك باطل. فان بديهة العقل حاكمة بأن بتقدير النفود يمتنع حصول الزيادة، الا اذا قيل: ان القول بالنفود معلوم الامتناع فى بديهة العقل. و حينئذ