شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٨ - الفصل الثالث فى بيان تناهى الأبعاد
للأحياز الخالية خارج العالم. و هذا البرهان كما يبطل القول بوجود جسم لا نهاية له، كذلك يبطل القول بوجود خلاء لا نهاية له على ما صرح «الشيخ» به هاهنا.
و العجب من المتكلمين: ان الخلق (الكثير) منهم يحتجون بهذا الدليل على تناهى الأجسام ثم يثبتون أحيازا خالية خارج العالم و لا يعلمون أن هذا الدليل كما يبطل القول بوجود جسم لا نهاية له فكذلك يبطل القول بوجود خلاء لا نهاية له.
و اعلم: أن اعتماد المتكلمين فى الفرق بين البابين (هو) على حرف واحد. و هو: أنهم يقولون: الأجسام ذوات موجودة، فيصح وضعها بالتطبيق و بالزيادة و النقصان. و أما الأحياز الخالية فانها نفى محض و عدم صرف. فكيف يعقل وصفها بالتطبيق و بالزيادة و النقصان؟
و اعلم: أن هذا الفرق ضعيف من وجهين:
(الوجه) الأول: انا لا نسلم أن هذه الأحياز الخالية: عدم محض و نفى صرف. و ذلك لأنهم يصفون تلك الأحياز الخالية بصفات كثيرة. هى صفات وجودية. و يدل عليه وجوه:
أحدها: انهم يقولون العالم حصل فى حيز مخصوص و يصح انتقاله من ذلك الحيز الى سائر الأحياز الخالية. و لو لا أن كل واحد من تلك الأحياز متميز فى نفسه عن الحيز الآخر، و الا لكان هذا الكلام محالا.
و ثانيها: انهم يصفون هذا الخلاء بالصغر و الكبر و المساحة و المقدار، فان البعد الذي بين طرفى الطاس، أصغر مما بين الدارين. و الذي بين الدارين أصغر من البعد الذي بين المدينتين. و ذلك أصغر مما بين السماء و الأرض و ذلك أصغر من الخلاء الذي لا نهاية له. و الذي يكون موصوفا بالصغر و الكبر و المساحة و المقدار، فانه لا يكون عدما محضا.
و ثالثها: انهم يدعون الضرورة بكون الأحياز الفوقانية مغايرة للأحياز التحتانية. و كذا القول فى اليمين و اليسار و القدام و الخلف. و العدم المحض، و النفى الصرف لا يحصل فيه هذا الامتياز.