شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٣ - المسألة الخامسة فى بيان أن كل جسم فانه لا ينفك فى ذاته عما يكون مبدأ للحركة
لا يجوز أن يقال: تلك الأجسام، و ان كانت مختلفة الطبائع، الا أن حقيقة كل واحد منها يقتضى لعينها و لذاتها أن تكون متصلة بالأخرى؟
و على هذا التقدير، فانه لا يكون شكله هو الكرة. فلو اقتضت أن يكون هو متصلا بالآخر و ملتصقا به، لوجب أن لا يكون شكله هو الكرة، و حينئذ يلزم أن تكون الطبيعة الواحدة مقتضية للنقيضين. و ذلك محال.
فثبت بما ذكرنا: أن كل مركب، فانه يقبل الانحلال. و حينئذ يتم الدليل المذكور.
و أما المقدمة الثانية: و هى قولنا: ان كل جسم بسيط، فانه يقبل الحركة المستديرة فالدليل عليه: أن ذلك الجسم لا بد و أن يحيط به شىء.
و ان لم يكن كذلك، فلا بد و أن يكون هو محيطا بشيء. و اذا كان الأمر كذلك، فلنفرض دائرة فى هذا الجسم، و لنفرض أن نقطة معينة فى تلك الدائرة تسامت نقطة معينة فى الأرض، و كل ما يصح على تلك للنقطة، أن تسامت النقطة المعينة من الأرض، وجب أن يصح على سائر النقط المفترضة فى تلك الدائرة، أن تسامت تلك النقطة المعينة من الأرض. ضرورة أن كل ما صح على (شىء صح على) مثله. و متى ثبت هذا الجواز، ثبت كون ذلك الجسم قابلا للثقل المستدير.
و لقائل أن يقول: هذا ينتقض بأمور:
أولها: أن الجزء المفترض فى عمق ثخن الفلك، مساوى فى الماهية للجزء المفترض فى سطحه، ثم لم يلزم (منه) صحة قيام كل واحد منهما مقام الآخر فى كونه فى العمق و فى السطح. فكذا هاهنا.
و ثانيها: ان مقعر كل فلك قد يكون مساويا لمحدبه فى تمام الماهية، و الا لزم كون الفلك مركبا، ثم لم يلزم من كون مقعره مماسا لجسم، صحة أن يكون محدبه مماسا لذلك الجسم، فكذا هاهنا.
و ثالثها: ان الحيوانية الحاصلة فى الفرس مساوية للحيوانية الحاصلة فى الانسان. ثم انه لم يلزم منه أن يصح على حيوانية الفرس، ما يصح على حيوانية الانسان. فكذا هاهنا.