شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤ - المسألة الثالثة فى أقسام (الحكمة) العملية
ذلك القوة النظرية من البشر بمعرفة القوانين العملية منهم، و باستعمال تلك القوانين فى الجزئيات»
التفسير: لما بين أن العلوم العملية هى هذه الثلاثة، شرع بعده فى بحث آخر، و هو أنه لا بد لكل صناعة من شىء يجرى مجرى المبدأ لها، و من شيء يجرى مجرى الكمال لها. فهذه العلوم الثلاثة أيضا لها مبدأ، و لها أيضا كمال. و مبادئ هذه العلوم الثلاثة و كمالاتها: مستفادة من الشريعة الالهية. و ذلك لأن المقصود من بعثة الرسل الى الخلق: ارشاد الخلق الى النمط الصواب و الطريق الأصلح فى الأعمال و الأفعال. و لما كانت مناهج الاعمال محصورة فى هذه العلوم الثلاثة، وجب أن يقال:
ان الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- ما بعثوا الا لتعريف مبادئ هذه العلوم الثلاثة، و لتعريف كمالاتها.
ثم ان الأنبياء- عليهم السلام- انما يمكنهم تعريف مبادئ هذه العلوم الثلاثة، و تعريف كمالاتها على الوجه الكلى. مثل أن يذكروا: ان من أراد الفضيلة الفلانية، فعليه بالعمل الفلانى، و من أراد دفع الرذيلة الفلانية، فعليه بالعمل الفلانى. فأما التنصيص على أحوال «زيد» و «عمرو» فذلك ممتنع. لأن الأحوال الجزئية للاشخاص غير مضبوطة بل الواجب على الشارع ضبط تلك القوانين. و ذلك انما يتأتى بالقوة النظرية. ثم استعمال تلك القوانين فى الصور الشخصية و الوقائع الجزئية.
فذلك انما يتأتى بالقوة العملية.
و أما قوله: «و كمالات حدودها انما تستبين بالشريعة الالهية» فالمراد من هذه الحدود: المقادير. و ذلك لأن المقادير المقدرة فى أبواب العبادات و المعاملات و الزواجر لا تعرف الا من جهة الشرائع الالهية.
قال الشيخ: «و الحكمة المدنية فائدتها: تعلم كيفية المشاركة التي تقع فيما بين اشخاص الناس، ليتعاونوا على مصالح الأبدان، و مصالح بقاء نوع الانسان. و الحكمة المنزلية (فائدتها: أن تعلم