شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٨ - الفصل السابع فى نفى الجوهر الفرد
من الحاوى المماس للسطح الظاهر، من الجسم المحوى. و «الامام أفلاطون الالهى» له أن يحتج على فساده بأن يقول: صريح العقل حاكم بأن الجسم قد يكون ساكنا مع توارد السطوح عليه فى كل آن، و قد يكون متحركا مع بقائه مماسا للسطح الواحد. و ذلك يدل على أن المكان ليس هو السطح.
أما الأول. فلأن السمكة اذا وقفت فى الماء، و الطير (اذا) وقف فى الهواء، ثم ان الماء يمر على السمكة و الهواء (يمر) على الطير، فههنا السطوح متواردة عليه بحسب الآنات المختلفة. فلو كان المكان عبارة عن السطح، لكان الانتقال من سطح الى سطح، انتقالا من مكان الى مكان، و كان يكون حركة، و كان يجب فى مثل هذه السمكة و مثل هذا الطير، أن يكون متحركا. و لما شهد صريح الحس بأن هذه السمكة ساكنة، و هذا الطير ساكن، علمنا بأن المكان ليس هو السطح.
و أما الثاني، فلأن الدقيق اذا وضع فى الجراب حين ما كان فى «الرى» [٤] ثم نقل الجراب مع ذلك الدقيق الى «سمرقند» [٥] فههنا ذلك الدقيق، بقى سطحه الظاهر مماسا للسطح الباطن من الجراب، و لم ينتقل عنه. فلو كان المكان هو السطح، لوجب أن يقال: ان الدقيق الذي كان فى «الرى» ثم حصل فى «سمرقند» لم ينتقل البتة، و لم يتحرك البتة. و ذلك معلوم الفساد بالبديهة. و لما حصلت الحركة هاهنا، مع أنه لم ينتقل من سطح الى سطح، علمنا: أن المكان ليس هو السطح [٦]
[٤] مدينة من مدن بلاد فارس، ينسب اليها فيقال: رازى.
[٥] مدينة من مدن بلاد فارس، ينسب اليها فيقال: سمرقند.
[٦] فى كتاب «المطالب العالية من العلم الالهى» كلام كثير جدا عن الزمان و المكان.