شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٦ - الفصل السابع فى نفى الجوهر الفرد
و لنرجع الى تفسير ألفاظ الكتاب:
و اعلم: أن «الشيخ» لم يرتب كلامه فى هذه الحجة على النظم الطبيعى، و لكنه ذكر مقدمات تسعة، و ما أشار الى كيفية نظمها.
فالمقدمة الأولى: قوله: «كل ما ماس شيئا بكليته، فما ماس أحدهما، ماس الآخر» فالمراد: أنا لو فرضنا أن جزءين تماسا بكلية ذاتيهما، وجب أن تكون ذات كل واحدة منهما نافذة بالتمام فى تمام ذات الآخر.
و اذا كان الأمر كذلك، فاذا جاء جزء ثالث، و ماس أحدهما وجب أن يكون قد ماس الآخر. اذ لو صار أحدهما ممسوس هذا الثالث، و لم يصر الثاني ممسوسا له، فحينئذ تكون ذات المسوس مبانية لذات غير الممسوس و غير نافذة فيه، و لا مداخلة فيه بالأسر. و قد فرضنا أن الأمر كذلك.
هذا خلف.
فثبت: أن كل ما ماس شيئا آخر بكليته، فكل ثالث ماس أحدهما، فانه لا بد و أن يماس الآخر. و هذه المقدمة انما يحتاج اليها فى بيان أنا لو فرضنا كون الجزءين متلاقيين بالأسر، لكان اذا جاء الثالث و لقيهما، وجب أن يكون هذا الثالث ملاقيا لهما أيضا بالأسر، و حينئذ يلزم أن لا يزيد مقدار الثلاثة على مقدار الواحد. و أيضا: يلزم أن لا يبقى بين تلك الأجزاء ترتيب و لا تباين فى الاشارة الحسية. و كل ذلك محال.
و المقدمة الثانية: قوله: «كل متماسين، لا بالأسر، فهما متميزان بالوضع» فالمراد: أنه اذا لم تكن كلية أحدهما سارية فى كلية الآخر، كانت متباينة عنه، فهما متميزان لا محالة بالاشارة. و هذا الكلام حق.
و أنا أظن أنه لو قال: كل متميزين بالوضع فهما يتماسان لا بالأسر، لكان أولى. لأن غرضه فى تقرير هذه المقدمة أن يقول: لكن الأجزاء متميزة فى الوضع، فهى غير متلاقية بالأسر. و ذلك لأن استثناء عين المقدم، ينتج عين التالى. أما اذا قلنا: كل متماسين لا بالأسر فهما متميزان بالوضع، لكن الأجزاء متميزة بالوضع، فهما متماسان لا بالأسر. كان هذا باطلا. لأن استثناء عين التالى لا ينتج عين المقدم.
و المقدمة الثالثة: قوله: «كل متميزين بالوضع، فان تجاوزهم