من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - فكيف كان نكير
المشيد [١]، ولعلَّ المناسبة بين هذا التأويل وذلك التفسير ليست مجرد التشبيه، بل وأيضاً: لأن هلاك الظالمين إنما هو بتعطيل العلم، وذلك بعدم الاستفادة من العالم الصامت [الْبِئْرُ المُعَطَّلَةُ] ولا من العالم الناطق [الْقَصْرُ الْمَشِيدُ].
ترى كيف يصور القرآن هذه الحقائق تصويراً بديعاً بحيث لو أخذت ريشة وصورتها لخرجت مكتملة الملامح معبرة عن الفكرة، أبلغ تعبير خذ الآن ريشة وحاول أن ترسم قرية خالية بأبنيتها وشوارعها، ثم ارسم بئراً قد تدلى عليها دلوها وعليها بكرتها ولا أحد عندها، ثم صوَّر قصراً فخماً مهجوراً، ثم انظر ماذا ترى، إنك ترى لوحة تنطق بالموت الرهيب وتعطي للذين غرّهم تقلبهم في الحياة، العبرة الزاجرة.
حين يعمى القلب
[٤٦] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ أي لماذا لا يسيرون في الأرض، ليعتبروا بآثار السابقين إنهم يسيرون فيها ولكن لا يعتبرون.
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا قد يكون اشتقاق قُلُوبٌ لغوياً من الفعل (قلب- يقلب) أي تقليب الأمر بشتى وجوهه واحتمالاته فيكون مدلول القلب قريباً من مدلول (الفكر)، فيكون معنى الآية: أفلا يتفكرون في الحياة، ويعقلون حقائقها، وكيف حلَّ بمن قبلهم لما عصوا وكانوا يعتدون.
والظاهر أن القلب هو النفس البشرية التي ألهمها الرب فجورها وتقواها، فالتقلب بينهما. ونسبة العمى للقلب في آيات أخرى بمعنى فقدانها العقل. ولعل قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا مثل آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فقد يكون أذن لا تسمع آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: ١٧٩]، وكذا يكون قلب غير عاقل.
أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا الإنسان: إما أن تكون له القدرة على فهم الحقائق شخصيًّا، وإما أن يسمعها ويتلقاها ممن تفكر بها، لذلك يقول القرآن فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا بصورة مباشرة، أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا بالاستفادة من علوم الآخرين وتجاربهم.
فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ حينما لا يوجد عند
[١] الكافي: ج ١ ص ٤٢٧ والحديث هو: عن الإمام موسى عليه السلام
[الْبِئْرُ الْمُعَطَّلَةُ الْإِمَامُ الصَّامِتُ وَالْقَصْرُ الْمَشِيدُ الْإِمَامُ النَّاطِقُ]
.