من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢١ - يحيى مثل الوريث الصالح
إلى المؤمن، فالإنسان إذا كان يجب أن يموت ولابد! فلتكن ميتته الشهادة، ليحصل على السلام الذي يعني النجاة والخير، بلى إن للإنسان ثلاثة مواقع صعبة، عليه أن يمر بها: يوم يولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حياً، وإذا كان في هذه الأيام الثلاثة محاطاً من قبل الله بالسلام فإنه سعيد حقاً، جاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال
[إِنَّ أَوْحَشَ مَا يَكُونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: يَوْمَ يُولَدُ وَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَمُوتُ فَيُعَايِنُ الْآخِرَةَ وَأَهْلَهَا وَيَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرَى أَحْكَاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَقَدْ سَلَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يَحْيَى عليه السلام فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ وَآمَنَ رَوْعَتَهُ فَقَالَ
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً
وَقَدْ سَلَّمَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنِ فَقَالَ
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً] [١].
وكان أمراً مقضياً
[١٦] وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً تلك كانت قصة يحيى وأبيه عليهما السلام، وبعدها يبدأ ربنا سبحانه في سرد قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام حيث جلست مريم في مكان شرقي، في الغرفة التي بنيت في شرق بيت المقدس، ولعلَّ معنى انتَبَذَتْ تنحت عنهم، تواضعاً لله، وجلست مكاناً لا يتردد عليه أحد، كما أن اختيارها للجانب الشرقي ربما كان لأنه الأقرب إلى الطهارة لشروق الشمس عليه.
[١٧] فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً أي جعلت حجاباً بينهم وبين نفسها لكي تتفرغ لعبادتها بإخلاص دون أن يشغلها أحد، ولعلَّ الآية توحي بأن صلاة المرأة في المخدع أفضل من غيره، وجاء في الحديث: قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام
[خَيْرُ مَسَاجِدِ نِسَائِكُمُ الْبُيُوتُ] [٢].
فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً هنا ارتاعت مريم الصديقة الطاهرة فلأول مرة في حياتها ترى بشراً سويا يأتيها، ولم تعرف لماذا أتى؟ وما هو هدفه؟ خصوصاً وأنها قد احتجبت عنه، ومجرد دخوله عليها من دون إذنها كان أمراً عجيباً.
وتمثل الروح هو ظهوره في هيئة معينة، والهيئة التي أرادها الله لروحه كانت على هيئة بشر سوي، متكامل، لعله لامتحان مريم الصديقة العذراء، باعتبار أن البشر السوي أكثر إثارة لغرائز المرأة.
[١] عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج ١ ص ٢٥٧.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٥ ص ٢٣٧.