من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٩ - يحيى مثل الوريث الصالح
الرسالة، ولعله لذلك بقي يحيى حصوراً، فلم يتزوج، شأنه شأن عيسى عليه السلام بل أعطى كل حياته للرسالة الإلهية، متحدياً الحالة المادية التي طغت على بني إسرائيل ذلك اليوم وانغماسهم في الشهوات العاجلة.
ونتساءل: لماذا أعطى الله يحيى الحكم صبياً؟.
والجواب
أولًا: إكراماً لوالده العظيم ولكي يكون آية لبني إسرائيل، وللناس جميعاً، ولأنه جاء ليصحح مسيرة الأمة بعد انحرافها، وقد استشهد في سبيل الله، وكان من الطبيعي أن يكثر الطغاة الدعايات المضللة حوله، فأعطاه الله آية لصدقه.
ثانياً: لأنه منذ نعومة أظفاره كان في مستوى تلقي الوحي، فقد جاء في حديث مأثور عن أبي الحسن الرضا عليه السلام
[أَنَّهُ كَانَ صَبِيّاً فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ: هَلُمَّ نَلْعَبْ. فَقَالَ: أَوَّهْ وَالله مَا لِلَّعِبِ خُلِقْنَا.
. فأنزل الله تعالى وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً] [١].
حينما طلب زكريا من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولياً فإن أقصى ما كان يأمله هو أن يكون إنساناً رسالياً، ولكن الله تفضل عليه، وفضله على الآخرين، فأعطاه ولداً يحمل مسؤولية الرسالة، وجعله إماماً للناس. ولمّا يزل صبياً.
وهكذا فلنعلم بأننا إذا أخلصنا لربنا، ودعوناه دعاء خفياً، متضرعين إليه، آنئذ لا يستجيب الله لنا دعاءنا فقط بل ويعطينا أكثر مما كنا نأمل.
وكان تقياً
[١٣] وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً هذه هي الصفات النفسية التي كانت عند يحييعليه السلام
الصفة الأولى: هي أنه كان يحن على الناس، إننا نجد أن أكثر الناس يعيشون لأنفسهم، وقليل أولئك الذين يعيشون للناس جميعاً، بعيدين عن السجن المحيط بذواتهم، وهذه هي الصفة الاجتماعية المثلى التي يجب أن يتحلى بها الابن، وعلى الوالد أن يربي ابنه على الروح الجماعية، فلا يقل له: لا تخرج مع أولاد الجيران لأنهم يضربونك، أو لا تدعهم يرون هذا المتاع عندك لئلّا يطلبونه منك، فهذا مثل للتربية الخاطئة، بل على العكس من ذلك إذا أعطيت لابنك
[١] بحار الأنوار: ج ١٤ ص ١٨٥.