من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٥ - من هم المؤمنون
التجأت إليها مريم عليها السلام خشية أعداء ابنها عيسى عليه السلام من اليهود؟.
أم كانت منطقة خاصة في مصر. حيث عاشت مريم وابنها هناك ردحاً من الزمن؟.
أم أنها كانت في (دمشق) أم مدينة (رملة) حيث عاشا فيهما أيضاً فترة من الوقت؟.
أم أنها لم تكن سوى ذلك الموقع الذي وضعت مريم ابنها فيه، في أطراف بيت المقدس ذاته [١]. وفي رواية مأثورة عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: إن
[الرَّبْوَةُ: الْكُوفَةُ، وَالْقَرَارُ: الْمَسْجِدُ، وَالْمَعِينُ: الْفُرَاتُ] [٢].
وعلى أي حال: فإن في الآية درساً في اختيار الموقع المناسب للمسكن، كما إن الآية التالية تذكرنا: بضرورة اختيار الطيبات للطعام.
[٥١] ولم تكن هذه النعم إلا لكي تقيم أود الإنسان، ولكن الهدف الأبعد منها أن يستخدم جسده في خير نفسه والناس، من خلال الصالحات.
وقد كان هذا نداء الله لكل الرسل، ومن بعدهم للمؤمنين، أن يأكلوا لا ليعيشوا أو يتلذذوا بالنعم- فحسب- بل ليعملوا الصالحات.
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ كما إن المهم في العمل أن يكون خالصاً لوجه الله حتى يأتي بثماره- دنيا وآخرة- وهل يخلص لله إلا الذين يتحسسون برقابته، وعلمه بهم؟! ويجب على المؤمنين أن يعملوا بما يمليه عليهم الشرع والعقل دون أن ينتظروا رضى الناس.
ويبدو أن الإسلام يرجع الناس إلى عقولهم. البعيدة عن الهوى والضغوط، والتي جعلها الله حجة بينه وبين العباد، فتكون الطيبات التي تدعونا إليها هذه الآية هي التي يحكم بها العقل، وهكذا العمل الصالح، وإنما الشرع يثير العقل ويبلوره. جاء في وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لهشام بن الحكم
[إِنَّ لله عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ عليهم السلام، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ] [٣].
[٥٢] إن المقاييس الإيمانية التي وضعها الله سبحانه، هي التي تكشف حقيقة الكثير ممن يدعون الإيمان، إذ إن مقياس الإيمان وحقيقته ليس ما يدعيه البشر أو يعتقد به، بل ما يضعه الله
[١] راجع تفسير مجمع البيان: ج ٧، ص ١٧٣.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٤، ص ٣٦١.
[٣] الكافي: ج ١ ص ٦٠.