من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٢ - ربي انصرني بما كذبون
هدى من الآيات
في سياق الحديث عن الإيمان في هذه السورة يحدِّثنا هذا الدرس عن عاقبة الذين استكبروا على الله، ولم يؤمنوا بالرسالة الإلهية أو من يمثلها، ويأتي هذا الدرس بعد تذكير القرآن بآيات الله، بهدف تذليل العقبات التي تعترض طريق الإيمان بالله، وأبرزها الاستكبار، وكان يمثل الولاية في الأرض آنئذ رسول الله نوح عليه السلام حيث استكبر قومه فلم يسمعوا له، زاعمين بأنه مادام بشراً، فلا يمكن الخضوع له، وعلوا في الأرض، فماذا كانت عاقبتهم؟.
لقد أمر الله نوحاً أن يصنع الفلك، فلما اكتملت جرى الطوفان، فأنجى الله من في السفينة، وأغرق الباقين، وقد تجلى علم الله، وقدرته على يد نوح في الأرض، وهذا يكفي دليلًا على أنه يمثل ولاية الله الحق.
إذن لا داعي للاستكبار على من يمثل هذه الولاية، ولا نعتقد يوماً أن رفضنا له سيغير من الواقع شيئاً. إذ سيبقى ولياً قبلنا أم رفضنا، وإذا لم نقبل بولايته تشريعياً بالطوع. فسنقبلها تكوينياً بالإكراه، ولنا في الماضين عبرة.
إن ولاية نوح لم تكن ذاتية، وإنما كانت بأمر الله وقدرته، لذلك دعا ربه أن ينزله منزلًا مباركاً. فيه الخير والأمان.
وتكررت قصة نوح مع آخرين بعدهم، إذ لم يتعظوا بمن قبلهم- وهذه سنة إلهية عامة- فقد أهلكهم الله لأنهم كذبوا بالرسول، واستكبروا على الرسالة، والأسباب هي
١- أنهم كانوا ينظرون للرسول نظرة مادية. حيث أرادوه صاحب مال ومنصب، أما أن يكون مثلهم، فقد زعموا أنهم سوف يخسرون لو أطاعوه، وغاب عنهم أن القيمة الحقيقية للإنسان هي بما يملك من قيم وسلوك صالح، وبالتالي إذن الله.
٢- كانت تلك عقبة الاستكبار، والعقبة الثانية في طريق الإيمان بالرسالات، الريب في البعث، فقالوا: إنه يعدكم بالنشور بعد أن تموتوا، وتصبحوا تراباً، وعظاماً. إنه وعد بعيد، ثم قالوا: بل هو وعد كاذب، وإنما هي الحياة الدنيا نموت ونحيا فيها.
وتمادوا في غيهم، فكذبوه، وقالوا: إنه مفتر على الله، وعقدوا العزم على عدم الإيمان به أبداً. لقد كان التكذيب عظيماً على قلب نوح عليه السلام ذلك العبد الصالح، الذي غمرت معرفة الرب أرجاء قلبه الخاشع، ولم يجد لنفسه من نفسه قوة، فدعا ربه قائلًا رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ.