من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٣ - ربي انصرني بما كذبون
بينات من الآيات
[٢٣] في آيات آنفة رأينا نعم الله على البشر، ولكن لماذا نجد الإنسان بالرغم من تجلي الله له في كل شيء، يكفر به، ويجعل بينه وبين معرفته حجباً زائفة، معرضاً عن آياته تعالى.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ إن خضوع الإنسان لقوى أخرى هو الذي يبعده عن معرفة الله، والطاعة له، والآية تبيِّن مشكلة قوم نوح أنهم كانوا يخضعون لقوى أخرى، وتتعرض الآية التالية إلى اثنتين منها
[٢٤] الأولى: تقديس الذات الذي يقودهم إلى التكبر على الحق.
فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً فهم يرون من الرسالة فقط تبوأ النبي قيادة المجتمع المؤمن، فالتفسير الذي يفترضونه هو صراع على الزعامة.
ولو كان الإنسان يجعل الحق هو المقياس لا ذاته، لما همه لمن يخضع ما دام يمثل الحق رسالة وسلوكاً.
الثانية: تقليد الآباء. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ
[٢٥] وهذان السببان هما اللذان حملاهم على اتهام نبي الله نوح عليه السلام بالجنون.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ إن المعرفة قريبة من الإنسان، وميسرة له، ولكنه قد يبتلي بالكبر أو التقليد الأعمى، فيكون أبعد ما يكون عن الإيمان والمعرفة، وحتى نخلق الإيمان في نفوسنا يلزم أن ننبذ الكبر، وأن نغير طائفة من عاداتنا وتقاليدنا السلبية التي درج عليها الأولون، بل وحتى بعض العادات الجيدة قد لا يكون الأنسب توارثها تباعاً لاختلاف الظروف بل الأنسب تطويرها أو تقديم غيرها عليها.
وبقي شيء لابد من ذكره من خلال قصة نوح وقومه هو: أنهم حينما أرادوا إنكار القيادة الإلهية العادلة أنكروا الله من الأصل، ولكي يكتمل الإيمان لابد من الالتزام بقيادة إلهية، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله
[مَنْ مَاتَ وَ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً] [١].
وصدق الإمام علي عليه السلام إذ قال
[هَلَكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَكِيمٌ يُرْشِدُهُ ...][٢].
[١] وسائل الشيعة: ج ١٣ ص ٢٤٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ١٥٩.