من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - وخشعت الأصوات للرحمن
ويستثير العقل، مذكراً الإنسان بعهده مع الله، وما أودع فيه الله من الفطرة.
وكما تتجلى الحقائق وسنة الله عبر أحداث التاريخ، ومسيرة الحياة، فإنها موجودة في كتابه أيضاً، والذي هو بمثابة الخارطة التي تقود الإنسان إلى الهدف.
ولتوضيح مفهوم الذكر يمكننا أن نشبهه بالخريطة التي يحملها الشخص وهو يريد اجتياز حقل من الألغام، فهو ينظر إليها باستمرار ليحدد المواقع التي زرعت فيها العبوات الناسفة فيتجنبها، وبكل حذر وإرادة، أن لا يغفل عنها لحظة واحدة، لأن ذلك يعني: أن يطير أشلاء في الهواء.
والحياة التي نعيشها أشبه ما تكون بذلك الحقل الملغوم، وإذا أردنا أن نجتازها بسلام يجب أن يكون الذكر نصب أعيننا باستمرار، والإنسان العاجز بذاته، الذي يعيش على أرض محفوفة بالأخطار، ومليئة بالصعوبات، لهو بأمس الحاجة الى الله القوي، مطلق العلم، والإرادة و .. و .. ليمد له يد العون، فيدفع عنه الخطر، والذكر هو الوسيلة التي يرتبط بها البشر الضعيف بربه العزيز القادر.
[١٠٠- ١٠١] مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا يتنوَّر قلب الإنسان بالمعرفة التي يكتسبها عبر التجربة والتفكير، وعبر النظر للتأريخ والحياة، وأهم من كل ذلك، عبر رسالات الله (الذكر)، بينما تصنع الغفلة حجباً كثيفة عليه تمنع عنه نور الحقيقة، وسحباً متراكمة من الحسد والحقد والعقد
وحب الدنيا والتعلق بزينتها، وهذه الحجب التي تتراكم فوق القلب، وتدعو إلى ارتكاب المعاصي، تصبح هي أوزاراً باهضة تثقل كاهل صاحبها في الدنيا وفي الآخرة.
والوزر هو الحمل الثقيل، الذي يضغط على صاحبه بقوة، فمن حمل كيساً كبيراً من التراب فوق كاهله ينهار من شدة الضغط، كذلك الحاسد والحاقد وعبد الشهوات، والسائر في ظلمات الغفلة، يتعرَّض قلبه لضغط معنوي هائل لا يكاد يتحمله.
والتعبير القرآني عن الغفلة (بالوزر) أبلغ تعبير، أو ليست الغفلة تأتي نتيجة ضغط العوامل المادية؟ كذلك الوزر (الحمل الثقيل) هو من الضغط المادي.
ولا يقتصر ضرر الإعراض عن ذكر الله على الدنيا فقط بأن يفقد الإنسان البصيرة فيها، بل ويمتد ذلك إلى يوم القيامة حيث تتجسد الحقائق، وحيث يحمل من غفل عن ذكر ربه أثقالًا باهضة على كتفيه، كما يفقد البصر وهو يحاول أن يجتاز الصراط فيقع في جهنم، يتذوق ألوان العذاب.