من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٦ - وخشعت الأصوات للرحمن
بها تنفجر مرة واحدة، فكم سيكون المنظر مهيباً ومخيفاً؟.
والسؤال: لماذا نجد القرآن يتحدَّث في مواضع كثيرة من الذكر، عن نسف الجبال، وتسجير البحار، وانتشار الكواكب و .. و ..؟.
والجواب يبدو: أن كل ما في الكون خلق لهدف هو عبادة الله، وخدمة الإنسان، فما دام الإنسان قد انتهى وجوده ودوره في الدنيا، فإنه ينتهي تبعاً لذلك دور هذه المخلوقات، وفي الحديث القدسي يخاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان قائلًا
[عَبْدِي! خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ لأَجْلِي ..] [١].
ولعلَّ من أساليب القرآن في التذكرة، هو التعرض لمشاهد القيامة بما فيها من الإثارة وشد الانتباه، ليوقض الضمير، خصوصاً وأن أسلوب العرض القرآني قمة البلاغة.
[١٠٨] ويواصل القرآن الحديث عن يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً من المفارقات الموجودة بين الدنيا والآخرة، مفارقتان تذكرهما هذه الآيات
الأولى: المفارقة الزمنية، فبينما الدنيا محدودة زمنياً، نجد الآخرة أبدية.
الثانية: وتذكرها هذه الآية، وهي أن الدنيا حياة الإرادة البشرية، بينما الآخرة (يوم القيامة) يجرَّد الإنسان من إرادته، وبالذات المجرم، ويخضع لله جبرياً.
فهذا البشر الذي كان يتمرَّد على رسل الله ورسالاته، نجده- هنالك- خانعاً خاضعاً لداعي الله، وصوته الذي طالما رفعه يحارب به الله، وعباده، ورسالاته، هذا الصوت تجده خاشعاً لله تعالى، الذي ينتظر منه الجميع كلمة العفو والغفران، ويتبعون داعيه دون أي تلكؤ وبلا عوج، ذلك الداعي الذي يدعوهم إلى صراط الله المستقيم لا عوج له.
[١٠٩] يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا كل العلاقات لا تنفعه يوم القيامة، ولا تبقى إلا علاقة واحدة، وهي علاقة المؤمنين وشفاعتهم وشفاعة الرسل والصديقين والشهداء والصالحين لمن اتبعهم في الدنيا وأطاعهم، فالعلاقة الرسالية إذن هي الباقية يوم القيامة، وليس هناك أنصاف آلهة يفرضون إرادتهم على ا لله، كما يدعي البعض أو يتصورون، وهذه الوساطات والوجاهات التي يتوسل بها الإنسان قد تنفعه عند السلطان، أما عند الله فلا، إلا لمن يعطيه الله صلاحية الشفاعة، ونتساءل: ما هي إذن فائدة الشفاعة ومن ذا
[١] الجواهر السنية للحر العاملي: ص ٣٦١، مشارق أنوار اليقين لرجب البرسي: ص ٢٨٢.