من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - النداء المقدس
كذلك موسى كان في تلك الليلة المظلمة الشاتية يسير في صحراء سيناء يبحث عن دفء وعن نور، يبحث عن دفء يعالج به البرد القارص وعن هدى ونور يضيء به طريقه، فحينما رأى ناراً من بعيد، كانت تلك النار بالنسبة إليه [أنسا] فاقترب إليها فإذا بها خير من النار ومن النور، إنها (الرسالة) التي تعالج مشكلة الإنسان، معالجة جذرية، فتسير سفينة عقله وتذكره بربه وتخط له خطاً مستقيماً الى الله.
إن تصور موسى في تلك الليلة، في تلك الصحراء إلى جانب وادي طوى، وهو يكلم الله، والله يكلمه ويناجيه، تصور هذا المنظر يبعث إلينا مشاعر مختلطة من السرور والرهبة.
فمن جهة نشعر بأننا حينما نضيع في صحراء الحياة فلا بد أن نجد رباً يأخذ بأيدينا، رباً رحيماً ودوداً إلى درجة أنه يحدِّثنا. ترى أن الله يناجي موسى بعبارات قصيرة، ولكن موسى يتحدث حديثاً طويلًا، حديث موسى مع ربه يكون بنفس طويل، لأنه وجد في حديث ربه أنساً، كان يريد أن يبقى طويلًا مع ربه، برغم أنه كان قد ترك أهله ينتظرونه ليرجع إليهم بالدفء والهدى، وهذا هو دائماً منظر الإنسان وحالته وعلاقته مع ربه في الحياة، وهي علاقة الأخذ من دون تكلف، والاهتداء به من دون خشية أو رهبة.
ويبعث فينا هذا التصور بالرهبة، حيث نخشى بأن يتركنا الرب إذا تركنا هداه.
ففي نفس الوقت الذي ترانا نحتاج إلى الله حاجة ملحة فهو رحيم بنا، ودود معنا، مع ذلك شديد العقاب، هذه هي علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
والآيات هذه توحي إلينا بفكرة أخرى، تلك هي فكرة ارتفاع الإنسان إلى هذا المستوى، حيث يكلمه الله سبحانه وتعالى تكليماً.
نحتفظ بهذه الصورة لنقارنها بعدئذٍ بصورة آتية، وهي صورة (فرعون)، فمرة يكون الإنسان في صورة (موسى) ومرة يكون في صورة (فرعون)، وكل واحد من أبناء آدم في قلبه إنسانان، موسى وفرعون، فخذ لنفسك ما تشاء.
وهناك أفكار أخرى تستلهم من هذه الآيات سوف نتعرض لها عبر حديثنا التفصيلي.
بينات من الآيات
حديث موسى
[٩] وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى وهذا الكلام ليس موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقط