من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - وأعتزلكم وما تدعون من دون الله
هذا هو حوار إبراهيم الذي يتميز بسمتين بارزتين
أولًا: إنَّه حوار هادىء.
ثانياً: إنَّه يتدرج ويتصاعد شيئاً فشيئاً، ففي البداية يقول: لِمَ؟ ثم يقول: لا تعبد، ثم يقول: اتبعني، ثم يقول: إنه يخشى أن تكون ولياً للشيطان.
في الواقع إن عم إبراهيم الذي يخاطبه إبراهيم عليه السلام بالأب لأنه كان يعيش في بيته كان فعلًا ولياً للشيطان، بيد أن إبراهيم لم يجابهه بالحقيقة مرة واحدة، ولكن لننظر إلى الآخر ماذا يقول في حواره ..
الإرهاب في المحيط العائلي
[٤٦] قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لم يقل أراغب أنت عن الحق يا إبراهيم، لأن الحق والباطل لم يكن محورا لعمل (آزر) عم إبراهيم، إنما قال عن آلهتي لأنه أراد أن يفرض سيطرته وهيمنته.
لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ هذا هو الإرهاب العائلي يقول: لأن لم تنته لأرجمنك، وأرجمنك إما بمعنى أن أقذفك بالحجارة كما يرجم مرتكبو الكبائر، وهو أشد أنواع الإعدام، وإما بمعنى إني لأرجمنك بالضلالة فأقول إنك مارق، أو أتهمك بتهمة كبيرة أمام المجتمع. ومن سياق الآية يتبين أن المقصود هو المعنى الثاني للرجم وليس الإعدام.
وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً في البداية هدده بالرجم والتشهير، ثم أمره بأن يهجره، أي يخرج من بيته نهائياً وهذه عملية نراها اليوم عادة بين بعض الآباء، حيث يقوم الواحد منهم بطرد ولده إذا وجد ولده يسير في طريق لا يرتضيه حتى لو كان ذلك الطريق صائباً وسليماً كالإنتماء إلى حركة إسلامية، أو القيام بنشاطات سياسية، دينية، أو ما شاكل ذلك.
مواجهة الإرهاب
[٤٧] عندما رأى إبراهيم أن الأمر قد وصل إلى هذا الحد، وأنه هجر أسرته فإنه سوف تتكرس فيهم ضلالتهم، لذلك قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ.
لعلَّ إبراهيم عليه السلام كان يريد أن يتبع أسلوباً آخر بعد أن وصلت مواجهته الصريحة مع أبيه إلى طريق مسدود، وهو أن يبحث عن وسائط خير يمكن أن يقنع الأب بدعوته الحقّة،