من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - وأعتزلكم وما تدعون من دون الله
الإنسان غريزة التقليد واتباع الآباء، كما أركز في الآباء غريزة التعليم لنقل أفكارهم إلى أبنائهم بل وإكراههم عليها.
بيد أن هذه الغريزة التي هي من السنن الكونية يجب أن لا تترك بعيدة عن التوجيه، بل على الإنسان أن يوجهها في ذاته ويوجهها في الآخرين، فالابن الذي يطيع والده ويتبعه من دون تفكير لا يكون فقط عاجزاً عن ابتداع تجارب جديدة، بل يكون أيضاً غير صالح لنقل التجربة، فالتجربة ينقلها جيل يكتوي بنارها، ويعرف قيمتها ويستلهمها بإرادته وحريته، أما الجيل الذي يضطر إلى قبول تجربة السابقين واستلهام أفكارهم؛ فإنه لا يمكنه أن يعرف قيمة التجربة، وبالتالي لا يمكنه أن يستفيد من هذه الخبرة شيئاً كثيراً، إذ يصبح آلة عمياء لا يستوعب الحقائق التي تجري حوله.
من هنا .. يركّز القرآن الحكيم في هذه الآيات على مسألة نقل الأفكار من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق ويحدد في ذات الوقت طريقة التعامل بين الأجيال.
كثيراً ما يفكر الجيل الناشئ، فيجد أن أفكار الأجيال السابقة إنما هي أفكار خاطئة وغير سليمة، ولذلك يتوجه هذا الجيل نحو التغيير والإصلاح وتطوير الأفكار والأساليب، فيحدث الصراع بين الأجيال، كل جيل يوجه الحياة إلى طرف معين وهذا ليس من مصلحة المجتمع، فالمجتمع الذي يعيش صراع الأجيال ينهار بسرعة ولا تكتسب الأجيال الناشئة فيه تجارب الأجيال السابقة.
وفي هذه الآية الكريمة نجد القرآن الحكيم يركّز على طريقة التعامل بين الأجيال ليقول: حتى لو كان الخلاف حول محور أساسي كعبادة الله، فينبغي أن يتم عبر أساليب مرنة، لذلك نجد إبراهيم يوجه خطابه لأبيه قائلًا سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي.
ولكن إذا لم تنفع المرونة ينبغي أن يكون الاعتزال، لأنه هو الحل الأخير، فحينما وجد إبراهيم أن أباه [١] لم يهتد، وأن قضية التوحيد لا يمكن أن تخضع لأهواء الأقارب ولضلالات الأجيال السابقة، فإنه قرّر أن يسجل موقفاً حاسماً من ذلك، ولكن كيف كان موقفه؟.
[١] المراد بالأب هنا- حسب الروايات الكثيرة- هو عم إبراهيم عليه السلام وليس والده، وقد أطلق القرآن كلمة الأب على العم في الآية ١٣٣ من سورة البقرة حيث قال أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فإسماعيل هو عم النبي يعقوب. ولكننا هنا نستخدم كلمة الأب تبعاً للقرآن الكريم.