الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٠ - خطب عبد الملك بن مروان أهل المدينة و تمثل بشعر له
ولي يزيد بن عبد الملك، كتب في أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم و في الأحوص، فحملا إليه، لما بين أبي بكر و الأحوص من العداوة؛ و كان أبو بكر قد ضرب الأحوص و غرّبه إلى دهلك و أبو بكر مع عمر بن عبد العزيز، و عمر إذ ذاك على المدينة. فلمّا صارا بباب يزيد أذن للأحوص، فرفع أبو بكر يديه يدعو، فلم يخفضهما حتى خرج الغلمان بالأحوص ملبّبا [١] مكسور الأنف، و إذا هو لمّا دخل على يزيد/ قال له: أصلحك اللّه! هذا ابن حزم الذي سفّه رأيك و ردّ نكاحك. فقال يزيد: كذبت! عليك لعنة اللّه و على من يقول ذلك! اكسروا أنفه، و أمر به فأخرج ملبّبا.
قصته مع عبد الحكم بن عمرو الجمحي:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن/ عمرو [٢] الجمحيّ قال:
كان عبد الحكم [٣] بن عمرو بن عبد اللّه بن صفوان الجمحيّ قد اتّخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات و نردات و قرقات [٤] و دفاتر فيها من كلّ علم، و جعل في الجدار أوتادا، فمن جاء علّق ثيابه على وتد منها، ثم جرّ دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم. قال: فإنّ عبد الحكم يوما لفي المسجد الحرام إذا فتى داخل من باب الحنّاطين، باب بني جمح، عليه ثوبان معصفران مدلوكان و على أذنه ضغث [٥] ريحان و عليه ردع [٦] الخلوق، فأقبل يشقّ الناس حتى جلس إلى عبد الحكم بن عمرو بن عبد اللّه؛ فجعل من رآه يقول: ما ذا صبّ عليه من هذا! أ لم يجد أحدا يجلس إليه غيره! و يقول بعضهم: فأيّ شيء يقوله له عبد الحكم و هو أكرم من أن يجبه من يقعد إليه! فتحدّث إليه ساعة ثم أهوى فشبّك يده في يد عبد الحكم و قام يشقّ المسجد حتّى خرج من باب الحنّاطين- قال عبد الحكم:
فقلت في نفسي: ما ذا سلّط اللّه عليّ منك! رآني معك نصف الناس في المسجد و نصفهم في الحنّاطين- حتّى دخل مع عبد الحكم بيته، فعلّق رداءه على وتد و حلّ أزراره و اجترّ الشّطرنج/ و قال: من يلعب؟ فبينا هو كذلك إذ دخل الأبجر المغنّي، فقال له: أي زنديق ما جاء بك إلى هاهنا؟ و جعل يشتمه و يمازحه. فقال له عبد الحكم: أ تشتم رجلا في منزلي! فقال: أتعرفه؟ هذا الأحوص. فاعتنقه عبد الحكم و حيّاه. و قال له: أمّا إذ كنت [٧] الأحوص فقد هان عليّ ما فعلت.
خطب عبد الملك بن مروان أهل المدينة و تمثل بشعر له:
أخبرني الطّوسيّ و الحرميّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثني حميد بن عبد العزيز عن أبيه قال:
لمّا قدم عبد الملك بن مروان حاجّا سنة خمس و سبعين، و ذلك بعد ما اجتمع الناس عليه بعامين، جلس على المنبر فشتم أهل المدينة و وبّخهم، ثم قال: إنّي و اللّه يا أهل المدينة قد بلوتكم فوجدتكم تنفسون القليل و تحسدون
[١] ملببا: مأخوذا بتلابيبه، و هو أن يجمع ثيابه عند صدره و نحره ثم يجرّ منها.
[٢] في ح، م: «عمر».
[٣] في ح، م: «عبد الحكيم».
[٤] النردات: جمع نرد و هو ما يعرف اليوم «بالطاولة». و القرقات: جمع قرق و هي لعبة للصبيان يخطّون بها أربعة و عشرين خطأ مربعة، كل مربع منها داخل الآخر، و يصفون بين تلك المربعات حصيات صغيرة على طريقة مخصوصة.
[٥] الضغث: كل ما ملأ الكف من النبات.
[٦] الردع: اللطخ بالزعفران. و الخلوق: ضرب من الطيب، و قيل: الزعفران.
[٧] كذا في م. و في سائر النسخ: «فقال إذا كنت ... إلخ».