الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٦ - شكاه أهل المدينة فنفى إلى دهلك ثم استعطف عمر بن عبد العزيز فلم يعطف عليه
[الجمحيّ] [١] قال حدّثنا عون بن محمد بن سلّام قال حدّثني أبي عمّن حدّثه عن الزّهريّ، و أخبرني به الطّوسيّ و الحرميّ بن أبي العلاء قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:
كان الأحوص ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة، و يتغنّى في شعره معبد و مالك، و يشيع ذلك في الناس، فنهي فلم ينته؛ فشكي إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة و سألوه الكتاب فيه إليه، ففعل ذلك.
فكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط و يقيمه على البلس للناس، ثم يصيّره إلى دهلك [٢] ففعل ذلك به؛ فثوى هناك سلطان [٣] سليمان بن عبد الملك. ثم ولي عمر/ ابن عبد العزيز؛ فكتب إليه يستأذنه في القدوم و يمدحه؛ فأبى أن يأذن له. و كتب فيما كتب إليه به:
/
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن
هديت أمير المؤمنين رسائلي
و قل لأبي حفص إذا ما لقيته
لقد كنت نفّاعا قليل الغوائل
و كيف ترى للعيش طيبا و لذّة
و خالك أمسى موثقا في الحبائل!
- هذه الأبيات من رواية الزّبير وحده، و لم يذكرها ابن سلّام- قال: فأتى رجال من الأنصار عمر بن عبد العزيز، فكلّموه فيه و سألوه أن يقدمه، و قالوا له: قد عرفت نسبه و موضعه و قديمه، و قد أخرج إلى أرض الشّرك، فنطلب إليك أن تردّه إلى حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و دار قومه. فقال لهم عمر: فمن الذي يقول:
فما هو إلّا أن أراها فجاءة
فأبهت حتّى ما أكاد أجيب
قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:
أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر
بأبياتكم ما درت حيث أدور [٤]
و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى
إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:
كأنّ لبنى صبير غادية [٥]
أو دمية زيّنت بها البيع
اللّه بيني و بين قيّمها
يفرّ منّي بها و أتّبع
/ قالوا: الأحوص. قال: بل اللّه بين قيّمها و بينه. قال: فمن الذي يقول:
ستبقى لها [٦] في مضمر القلب و الحشا
سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر
[١] زيادة عن س، ح.
[٢] دهلك: جزيرة في بحر اليمن و هو مرسي بين بلاد اليمن و الحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها. (راجع ياقوت).
[٣] يريد: مدة سلطانه.
[٤] هذا البيت لعروة بن حزام العذري، كما ذكره المؤلف في ترجمته ضمن شعر له، و كما ذكره ابن قتيبة في كتابه «الشعر و الشعراء»، لا للأحوص.
[٥] الصبير: السحاب الأبيض الذي يصبر بعضه فوق بعض درجا. و الغادية: السحابة تنشأ غدوة.
[٦] في «الشعر و الشعراء» (ص ٣٣٠ طبع أوروبا): «ستبلى لكم».