الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٥ - تكليم النبي أصحاب القليب بعد موتهم
عفراء، فضربه حتى أثبته [١]، فتركه و به رمق، و قاتل معوذ حتى قتل. فمرّ عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يلتمس في القتلى، و قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيما بلغني: «انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته؛ فإنّي ازدحمت أنا و هو يوما على مأدبة لعبد اللّه بن جدعان [و نحن غلامان] [٢] و كنت أشبّ- أو أشفّ- منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فخدش [في] [٢] إحداهما خدشا لم يزل أثره فيها بعد» [٣]. فقال عبد اللّه بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: و قد كان ضبث [٤] بي مرّة بمكة فآذاني و لكزني، ثم قلت: هل أخزاك اللّه/ يا عدوّ اللّه؟ قال: و بما ذا أخزاني! أعمد [٥] من رجل قتلتموه! لمن الدّبرة اليوم؟
قال: قلت: للّه و لرسوله صلّى اللّه عليه و سلّم.
حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد قال:
زعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقلت: يا رسول اللّه، هذا رأس عدوّ اللّه أبي جهل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «اللّه الذي لا إله غيره»!- و كانت يمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم- قلت: نعم و اللّه الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ قال: فحمد اللّه.
تكليم النبي أصحاب القليب بعد موتهم:
قال محمد بن إسحاق و حدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير عن عائشة قالت:
لمّا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيها إلّا ما كان من أميّة بن خلف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها؛ فذهبوا به ليخرجوه فتزايل، فأقرّوه [٦] و ألقوا عليه ما غيّبه من التراب و الحجارة. فلمّا ألقوهم في القليب، وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/ فقال: «يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإني وجدت ما وعدني ربّي حقّا». فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، أتكلّم قوما/ موتى؟ قال: «لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقّ». قالت عائشة: و الناس يقولون: «لقد سمعوا ما قلت لهم»، و إنما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد علموا».
قال ابن إسحاق و حدّثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال:
لمّا سمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يقول من جوف الليل: «يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة و يا شيبة بن ربيعة و يا أبا جهل بن هشام- فعدّد من كان منهم في القليب- هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإنّي قد
[١] أي جرحه جراحا لا يتحرّك معها و لا يقوم.
[٢] زيادة عن م و «السيرة».
[٣] كذا في م. و في سائر الأصول: «بعده».
[٤] ضبث بالشيء ضبثا: قبض عليه بكفه.
[٥] أعمد: أي أعجب. قال أبو عبيد: معناه هل زاد على سيد قتله قومه! هل كان إلا هذا! أي إن هذا ليس بعار. يريد أن يهوّن على نفسه ما حل به من الهلاك، و أنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه. و قال شمر: هذا استفهام أي أ أعجب من رجل قتله قومه! قال الأزهري: كأن الأصل أ أعمد إلخ فخففت إحدى الهمزتين. و المراد بالدبرة: الدولة و الظفر كما مرّ في الحاشية رقم ٤ ص ١٩٨ من هذا الجزء.
[٦] كذا في «السيرة». و في الأصول: «فأفروه» بالفاء، و هو تصحيف.