الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٣ - قتال الملائكة في غزوة بدر
قال لي أميّة بن خلف و أنا بينه و بين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل المعلم [١] منكم بريش نعامة في صدره؟ قال قلت: ذلك حمزة بن عبد المطّلب. قال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فو اللّه إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي- و كان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة [٢] إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر [٣] بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد؛ فيقول بلال: أحد أحد- فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا! قال:
قلت: أي بلال، أ بأسيريّ! قال: لا نجوت إن نجوا! قلت: أي بلال، أ بأسيريّ تسمّع [٤] يا بن السوداء! قال: لا نجوت إن نجوا! ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار اللّه، رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا. قال:
فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة [٥] و أنا أذبّ عنه. قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه [٦] فوقع، و صاح أميّة/ صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال قلت: انج بنفسك و لا نجاء [٧]! فو اللّه ما أغني عنك شيئا. قال:
فهبروهما [٨] بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم اللّه بلالا! ذهب بأدراعي و فجعني بأسيريّ.
قتال الملائكة في غزوة بدر:
قال ابن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدّثني رجل من بني غفار [٩] قال:
أقبلت أنا و ابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، و نحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة [١٠]- فننهب مع من ينهب. فبينا نحن في الجبل إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، و سمعت قائلا يقول: أقدم [١١] حيزوم. قال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع [١٢] قلبه فمات مكانه. و أما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.
قال محمد بن إسحاق حدّثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجّار عن أبي داود المازنيّ، و كان شهد بدرا، قال:
[١] كذا في م و «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «المتعلم».
[٢] كذا في م و «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «رمضاء بمكة».
[٣] كذا في م و «السيرة». و في سائر الأصول: «يأتي».
[٤] كذا في م. و التسميع: التشهير؛ يقال: سمّع بالرجل، إذا أذاع عنه عيبا و ندّد به و شهره و فضحه. و في ج و الطبري: «أي بلال تسمع يا ابن السوداء». و في سائر الأصول: «أي بلال أ تسمع يا ابن السوداء».
[٥] كذا في م و «السيرة» و الطبري. و المسكة (بالتحريك): السوار. و في سائر الأصول: «السكة» و هو تحريف.
[٦] كذا في «السيرة». و في الأصول: «قال: فضرب رجل أمية فوقع إلخ».
[٧] في «السيرة»: «انج بنفسك و لا نجاء به».
[٨] هبروهما: قطعوهما.
[٩] كذا في «سيرة ابن هشام» و «تاريخ الطبري». و في الأصول: «بني عفان».
[١٠] الدبرة (بالفتح): العاقبة؛ يقال: لمن الدبرة أي الدولة و النصر و الظفر، و على من الدبرة أي الهزيمة.
[١١] أقدم حيزوم: أمر بالإقدام، و هو التقدّم في الحرب، و الإقدام: الشجاعة. و قد تكسر همزة «اقدم» فيكون أمرا بالتقدّم لا غير، و الصحيح الفتح من أقدم. و حيزوم: اسم فرس جبريل عليه السّلام. (انظر ابن الأثير و «اللسان» مادتي قدم و حزم).
[١٢] قناع القلب: غشاؤه؛ تشبيها بقناع المرأة.