الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٧ - أقسم الأسود بن عبد الأسد ليشربن من حوض المسلمين فقتل
إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل و الشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك [١]! فقال عتبة: فستعلم.
فسلّ أبو جهل سيفه/ فضرب به متن فرسه؛ فقال إيماء بن رحضة: بئس المقام هذا! فعند ذلك قامت الحرب.
رجع الحديث إلى ابن إسحاق:
نصح عتبة بن ربيعة قريشا بالرجوع فأبى أبو جهل:
ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا، فقال: يا معشر قريش، و اللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا و أصحابه شيئا! و اللّه لئن أصبتموه، لا يزال الرجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، رجل قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا و خلّوا بين محمد و بين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، و إن كان غير ذلك ألفاكم [٢]/ و لم تعدموا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتّى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل [٣] درعا له من جرابها [٤] و هو يهيّئها؛ فقلت له: يا أبا الحكم، إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا و كذا (الذي قال)؛ فقال: انتفخ و اللّه سحره حين رأى محمدا و أصحابه. كلّا و اللّه! لا مرجع حتّى يحكم اللّه بيننا و بين محمد و أصحابه؛ و ما بعتبة ما قال، و لكنه قد رأى أنّ محمدا و أصحابه أكلة [٥] جزور، و فيهم ابنه قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس و قد رأيت ثارك بعينك، فقم فانشد خفرتك [٦] و مقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف [٧] ثم صرخ: وا عمراه! وا عمراه! فحميت الحرب، و حقب [٨] أمر الناس، و استوسقوا [٩] على ما هم عليه من الشرّ، و أفسد على الناس الرّأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة. و لمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ سحره» قال: سيعلم مصفّر الاست من انتفخ سحره: أنا أم هو! ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فلم يجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته؛ فلمّا رأى ذلك اعتجر [١٠] على رأسه ببرد له.
أقسم الأسود بن عبد الأسد ليشربن من حوض المسلمين فقتل:
و قد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، و كان رجلا شرسا سيّئ الخلق، فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه. فلمّا خرج خرج له حمزة بن عبد المطّلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه
[١] يكنى بانتفاخ السحر عن مجاوزة القدر، و لكنه هنا كناية عن الجبن؛ و ذلك أن الجبان يملأ الخوف جوفه فينتفخ سحره. و السحر:
الرئة و ما حولها مما يعلق به الحلقوم فوق السرة.
[٢] في ح: «ألفاكم و لم تعرضوا منه لما تريدون».
[٣] نثل: أخرج.
[٤] كذا في م، و هو الموافق لما في «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «عن جرابها».
[٥] يريد أنهم قلة تكفيهم جزور واحدة لطعامهم.
[٦] كذا في «السيرة» و «تاريخ الطبري». و الخفرة: الذمة و العهد. و في الأصول: «حقوقك».
[٧] كذا في م «و السيرة» و الطبري. و في «القاموس»: «و اكتشفت المرأة لزوجها: بالغت في التكشف له عند الجماع». فلعله يريد أنه أشرف على شيء عال أو نحو ذلك حتى انكشف للناس ثم صرخ فيهم. و في سائر الأصول: «فاكتنف»، و هو تحريف.
[٨] حقب أمر الناس: فسد.
[٩] استوسقوا: اجتمعوا.
[١٠] الاعتجار: لف العمامة على الرأس.