الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٩ - نقل ابن بسخنر قصة لها مع الواثق و غيرته من جعفر المتوكل
تزوّجها المتوكل ثم ضربها حتى غنت:
و لمّا تزوّجها المتوكل أرادها على الغناء، فأبت أن تغنّي وفاء للواثق، فأقام على رأسها خادما و أمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغنّي؛ فاندفعت و غنّت:
فلا تبعد [١] فكلّ فتى سيأتي
عليه الموت يطرق أو يغادي
نقل ابن بُسخُنَّر قصة لها مع الواثق و غيرته من جعفر المتوكل:
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر قال:
كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار؛ فإن نشط إلى الشّرب أقمت عنده، و إن لم ينشط انصرفت. و كان رسمنا ألّا يحضر أحد منّا إلّا في يوم نوبته. فإنّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا عليّ و قالوا لي: احضر. فقلت: أ لخير؟ قالوا: خير. فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطّ، و لعلكم غلطتم. فقالوا: اللّه المستعان، لا تطل/ و بادر؛ فقد أمرنا ألّا ندعك تستقرّ على الأرض. فداخلني فزع شديد؛ و خفت أن يكون ساع قد سعى بي، أو بليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ؛ فتقدّمت بما أردت و ركبت حتى وافيت الدار؛ فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل، فمنعت، و أخذ بيدي الخدم فأدخلوني و عدلوا بي إلى ممرّات [٢] لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي و غمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن، ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه و حيطانه ملبسة بمثل ذلك، و إذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر و عليه ثياب منسوجة بالذهب، و إلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه و في حجرها عود. فلمّا رآني قال: جوّدت [٣] و اللّه يا محمد إلينا. فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين خيرا! قال: خيرا، أ ما ترانا [٤]! طلبت و اللّه ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئا و بادر إلينا. فقلت: قد و اللّه يا سيّدي أكلت و شربت أيضا. قال: فاجلس فجلست، و قال:
هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك، و اندفعت فريدة تغنّي:
/
أهابك إجلالا و ما بك قدرة
عليّ و لكن ملء عين حبيبها
و ما هجرتك النّفس يا ليل أنّها
قلتك و لا أن قلّ منك نصيبها [٥]
فجاءت و اللّه بالسّحر، و جعل الواثق يجاذبها، و في خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، و أغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنا لكذلك إذ رفع/ رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض و تفتّت عودها و مرّت تعدو و تصيح، و بقيت أنا كالمنزوع الرّوح؛ و لم أشكّ في أنّ عينه
[١] لا تبعد: لا تهلك.
[٢] في جميع الأصول: «مبرات» بالباء، و هو تحريف.
[٣] جوّدت هنا: أسرعت. قال في «اللسان»: «يقال: جوّد في عدوه تجويدا».
[٤] في ب، س: «خيرا ما ترى أنا طلبت ...».
[٥] ورد هذا البيت في شرح «ديوان حماسة» أبي تمام (ص ٥٩٨ طبع أوروبا) هكذا:
و ما هجرتك النفس أنك عندها
قليل و لكن قل منك نصيبها