الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٢ - تناظر ابن أبي فنن و ابن خاقان فيه و في أبي نواس، ثم حكما ابن الضحاك ففضله
انقطع بعد خروجه من الحبس فلامه الرشيد فكتب له شعرا معتذرا و مادحا:
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا الرّبيع بن محمد الختّليّ الورّاق قال أخبرني ابن أبي العتاهية:
/ أنّ الرشيد لمّا أطلق أباه من الحبس، لزم بيته و قطع الناس؛ فذكره الرشيد فعرّف خبره، فقال: قولوا له:
صرت زير نساء و حلس [١] بيت؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
برمت بالنّاس و أخلاقهم
فصرت أستأنس بالوحده
ما أكثر النّاس لعمري و ما
أقلّهم في منتهى العدّه
ثم قال: لا ينبغي أن يمضي شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له، فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها، و هي:
صوت
عاد لي من ذكرها نصب
فدموع العين تنسكب
و كذاك الحبّ صاحبه
يعتريه الهمّ و الوصب
/ خير من يرجى و من يهب
ملك دانت له العرب
و حقيق أن يدان له
من أبوه للنّبيّ أب
أمره الرشيد أن يعظه فقال شعرا فبكى:
حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا عون بن محمد قال حدّثنا محمد بن أبي العتاهية قال:
قال الرشيد لأبي: عظني؛ فقال له: أخافك. فقال له: أنت آمن. فأنشده:
لا تأمن الموت في طرف و لا نفس
إذا تستّرت بالأبواب و الحرس
و اعلم بأنّ سهام الموت قاصدة
لكلّ مدّرع منّا و متّرس
ترجو النجاة و لم تسلك طريقتها
إنّ السفينة لا تجري على اليبس
قال: فبكى الرشيد حتى بل كمّه.
تناظر ابن أبي فنن و ابن خاقان فيه و في أبي نواس، ثم حكما ابن الضحاك ففضله:
حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال:
قال لي أحمد بن أبي فنن: تناظرت أنا و الفتح بن خاقان في منزله: أيّما [الرجلين] أشعر: أبو نواس أم أبو العتاهية. فقال الفتح: أبو نواس، و قلت: أبو العتاهية. ثم قلت: لو وضعت أشعار العرب كلّها بإزاء شعر أبي العتاهية لفضلها، و ليس بيننا خلاف في أنّ له في كلّ قصيدة جيّدا و وسطا و ضعيفا، فإذا جمع جيّده كان أكثر من جيّد كلّ مجوّد. [ثم] قلت له: بمن ترضى؟ قال: بالحسين بن الضحّاك. فما انقطع كلامنا حتّى دخل الحسين بن
[١] حلس بيت: ملازمه لا يبرحه، و هو مما يذم به الرجل.