الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٨ - عزى المهدي في وفاة ابنته فأجازه
إنّي لفي منزل ما زلت أعمره
على يقين بأنّي عنه منقول
و ليس من موضع يأتيه ذو نفس
إلّا و للموت سيف فيه مسلول
لم يشغل الموت عنّا مذ أعدّ لنا
و كلّنا عنه باللذّات مشغول
و من يمت فهو مقطوع و مجتنب
و الحيّ ما عاش مغشيّ و موصول
كل ما بدا لك فالآكال فانية
و كلّ ذي أكل لا بدّ مأكول
قال: ثم أنشدني عدّة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته؛ فتغيّر لونه و قال: لم خبّرته بما قلت! قد و اللّه أجاد! و لم يقل فيه سوءا.
كان أبو نواس يجله و يعظمه:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن عبد اللّه بن سعد قال حدّثني هارون بن سعدان مولى البجليّين قال:
كنت مع أبي نواس قريبا من دور بني نيبخت [١] بنهر طابق [٢] و عنده جماعة، فجعل يمرّ به القوّاد و الكتّاب و بنو هاشم فيسلّمون عليه و هو متّكئ ممدود الرجل لا يتحرّك لأحد منهم، حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه و وثب و قام إلى شيخ/ قد أقبل على حمار له، فاعتنق أبا نواس و وقف أبو نواس يحادثه، فلم يزل واقفا معه يراوح بين رجليه يرفع رجلا و يضع أخرى، ثم مضى الشيخ و رجع إلينا أبو نواس و هو يتأوّه. فقال له بعض من حضر: و اللّه لأنت أشعر منه. فقال: و اللّه ما رأيته قطّ إلا ظننت أنه سماء و أنا أرض.
رأي بشار فيه:
قال محمد بن القاسم حدّثني عليّ بن محمد بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثني السّريّ بن الصّبّاح مولى ثوبان بن عليّ قال:
كنت عند بشّار فقلت له: من أشعر أهل زماننا؟ فقال: مخنّث أهل بغداد (يعني أبا العتاهية).
عزى المهدي في وفاة ابنته فأجازه:
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم إجازة: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الخزرجيّ الشاعر قال حدّثني عبد اللّه بن أيّوب الأنصاريّ قال حدّثني أبو العتاهية قال:
ماتت بنت المهديّ فحزن عليها حزنا شديدا حتى امتنع من الطعام و الشراب، فقلت أبياتا أعزّيه بها؛ فوافيته و قد سلا و ضحك و أكل و هو يقول: لا بدّ من الصبر على ما لا بدّ منه، و لئن سلونا عمن فقدنا ليسلونّ عنّا من يفقدنا، و ما يأتي الليل و النهار على شيء إلا أبلياه. فلمّا سمعت هذا منه قلت: يا أمير المؤمنين، أ تأذن لي أن أنشدك؟ قال هات؛ فأنشدته:
ما للجديدين لا يبلى اختلافهما
و كلّ غضّ جديد فيهما بالي
[١] كذا في ح. و قد وردت محرفة في سائر النسخ.
[٢] نهر طابق: محلّه كانت ببغداد من الجانب الغربيّ.