الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٣ - وقعت في عسكر المأمون رقعة فيها شعره فوصله
ملّاح يعبّر النّاس، فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق، فجعل يضعّف رأينا و يعجّزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا،/ ثم أدخلنا كوخا له. و كاد المهديّ يموت بردا؛ فقال له: أغطّيك بجبّتي هذه الصوف؟ فقال نعم؛ فغطّاه بها، فتماسك قليلا و نام. فافتقده غلمانه و تبعوا أثره حتى جاءونا. فلمّا رأى الملّاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، و تبادر الغلمان فنحّوا الجبّة عنه و ألقوا عليه الخزّ و الوشي. فلما انتبه قال لي: ويحك! ما فعل الملّاح؟ فقد و اللّه وجب حقّه علينا. فقلت: هرب و اللّه خوفا من قبح ما خاطبنا به. قال: إنّا للّه! و اللّه لقد أردت أن أغنيه، و بأيّ شيء/ خاطبنا! نحن و اللّه مستحقّون لأقبح مما خاطبنا به! بحياتي عليك إلّا ما هجوتني. فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك! قال: و اللّه لتفعلنّ؛ فإني ضعيف الرأي مغرم بالصّيد. فقلت:
يا لابس الوشي على ثوبه
ما أقبح الأشيب في الراح
فقال: زدني بحياتي؛ فقلت:
لو شئت أيضا جلت في خامة [١]
و في وشاحين و أوضاح [٢]
فقال: ويلك! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، و أنا استأهل. زدني شيئا آخر. فقلت: أخاف أن تغضب.
قال: لا و اللّه. فقلت:
كم من عظيم القدر في نفسه
قد نام في جبّة ملّاح
فقال: معنى سوء عليك لعنة اللّه! و قمنا و ركبنا و انصرفنا.
وقعت في عسكر المأمون رقعة فيها شعره فوصله:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال حدّثنا جماعة من كتّاب الحسن بن سهل قالوا:
وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون؛ فجيء بها إلى مجاشع بن مسعدة، فقال: هذا كلام أبي العتاهية، و هو صديقي، و ليست المخاطبة لي و لكنّها للأمير الفضل بن سهل. فذهبوا بها، فقرأها و قال: ما أعرف هذه العلامة. فبلغ المأمون خبرها فقال: هذه إليّ و أنا أعرف العلامة. و البيتان:
صوت
ما على ذا كنّا افترقنا بسندا [٣]
ن و ما هكذا عهدنا الإخاء
تضرب الناس بالمهنّدة البي
ض على غدرهم و تنسى الوفاء
قال: فبعث إليه المأمون بمال.
في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكّل رمل من رواية ابن المعتزّ.
[١] الخام: ثوب من القطن لم يغسل.
[٢] الأوضاح: حليّ من فضة أو هي الخلاخيل.
[٣] سندان: مدينة ملاصقة للسند.