شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٦٠
حبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، و بصره الذي به يبصر» [١] و حينئذ ربما يصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد، لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، و تعذر [٢] الكشف عنها بالمقال. و نحن على سبيل التمني، نفترق من بحر التوحيد بقدر الإمكان، و نعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان و اللّه الموفق.
الثاني: أن الواجب هو الوجود المطلق، و هو واحد لا كثرة فيه أصلا، و إنما الكثرة في الإضافات و التعينات التي هي بمنزلة الخيال و السراب، إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر لا بطريق المخالطة، و بتكثرة في النواظر، لا بطريق الانقسام، فلا حلول هاهنا، و لا اتحاد لعدم الاثنينية و الغيرية. و كلامهم في ذلك طويل خارج عن طريق العقل و الشرح. و قد أشرنا في بحث الوجود إلى بطلانه و لكن من يضلل اللّه فما له من هاد.
- و الفناء عند الصوفية: عدم شعور الشخص بنفسه، أو بشيء من لوازم
نفسه و قيل الفناء تبديل الصفات البشرية بالصفات الإلهية. و قيل: الفناء سقوط
الأوصاف المذمومة، و البقاء ثبوت النعوت المحمودة و علامته عندهم ذهاب حظ المرء من
الدنيا و الآخرة إلا من اللّه تعالى. و البقاء الذي يعقبه هو أن يفنى أعماله و
يبقى بما للّه تعالى. و علامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم و عن التردد إليهم، و
علامة فنائك عن نفسك و عن هواك. تركك التعلق بالأسباب التي تجلي النفع و تدفع الضر
و آخر الفناء عند الصوفية أن لا ترى شيئا إلا اللّه. راجع المعجم الفلسفي ج ٢ ص ١٦٧.
[١] الحديث رواه الإمام البخاري في
الرقاق ٣٨ و أحمد بن حنبل ج ٦: ٢٥٦ و لفظه عند البخاري: إن اللّه قال: من عادى لي
وليا فقد آذنته بالحرب و ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه و ما
يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره
الّذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني لأعطينه و لئن
استعاذ بي عبدي لأعيذنه و ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره
الموت و أنا أكره مساءته».
[٢] في (ب) و بعد بدلا من (و تعذر).