شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١١٢
فإن قيل: قد يصدر عن الحيوانات العجم بالقصد و الاختيار أفعال محكمة، متقنة في ترتيب مساكنها، و تبرير معايشها كما النحل [١]، و العنكبوت [٢]، و كثير من الوحوش و الطيور على ما هو في الكتب مسطور، و فما بين الناس مشهور مع أنها ليست من أولى العلم.
قلنا: لو سلّم أن موجد هذه الآثار هو هذه الحيوانات، فلم لا يجوز أن يكون فيها من العلم قدر ما تهتدي به إلى ذلك. بأن يخلقها اللّه تعالى عالمة بذلك، أو يلهمها هذا العلم حين ذلك الفعل، ثم المحققون من المتكلمين على أن طريقة القدرة و الاختيار أوكد، و أوثق من طريقة الإتقان و الإحكام، لأن عليها سؤالا صعبا، و هو أنه لم لا يجوز أن يوجب الباري تعالى موجدا يستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة، و يكون له العلم و القدرة، و دفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود، و ايجاد العلم و القدرة فيه أيضا [٣]، فعلا محكما، بل أحكم، فيكون فاعله عالما لا يتم إلا ببيان أنه قادر مختار، إذ الإيجاب بالذات من غير قصد لا يدل على العلم، فيرجع طريق الإيقان إلى طريق القدرة مع أنه كاف في إثبات المطلوب، و قد يتمسك في كونه عالما بالأدلة السمعية من الكتاب و السنة و الإجماع.
[١] النحل سمي نحلا لأن اللّه عز و جل نحله العسل الذي يخرج منه قاله الزجاج. و النحل و النحلة الدبر يقع على الذكر و الانثى حتى يقال: يعسوب و النحل يؤنث في لغة أهل الحجاز، و روى ابن عباس قال:
نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن قتل النملة و النحلة و الهدهد و الصرد، أخرجه أبو داود و ذكره الترمذي عن الحكيم في نوادر الأصول، و من عجيب ما خلق اللّه في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، و ذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر، إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل و جاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس، فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة.
[٢] قالوا: العنكبوت: الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء و هي عناكيب و عناكب و عكاب و عكب قال عطاء الخراسانيّ نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه، و مرة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و لذلك نهى عن قتلها. و قال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة لأنها تسقط في التصغير و الجمع و هي مؤنثة و حكى الفراء تذكيرها فأنشد:
على هطالهم منهم بيوت كأن العنكبوت قد ابتناها راجع تفسير القرطبي ح ١٣ ص ٣٤٤، ٣٤٥.
[٣] سقط من (أ) لفظ (فيه).