شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٢
المبحث الثاني اللطف و التوفيق
قال (المبحث الثاني اللطف و التوفيق) (و العصمة خلق قدرة الطاعة، و الخذلان خلق قدرة المعصية فالموفق لا يعصي و بالعكس و قيل العصمة [١] أن لا يخلق اللّه تعالى في العبد الذنب، و قيل خاصية يمتنع بسببه صدور الذنب عنه، و قالت الفلاسفة ملكة تمنع الفجور مع القدرة عليه، و قالت المعتزلة اللطف ما يختار المكلف عنده الطاعة تركا أو إتيانا أو يقرب منهما مع تمكنه في الحالين، و يسميان المحصل و المقرب، و يختص المحصل للواجب باسم التوفيق، و ترك القبيح باسم العصمة، و قيل: التوفيق:
خلق لطف يعلم اللّه أن العبد يطيع عنده. و الخذلان منع اللطف، و العصمة لطف لا داعي معه إلى ترك الطاعة، و لا إلى ارتكاب المعصية مع القدرة عليهما. قالوا:
و اللطف يختلف باختلاف المكلفين، و ليس في معلومه ما هو لطف في حق الكل، و من هاهنا حملوا المشيئة في مثل قوله تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [٢] على مشيئة قسر و إلجاء).
خلق قدرة الطاعة، و الخذلان خلق قدرة المعصية، و العصمة هي التوفيق بعينه، فإن عممت كانت توفيقا عاما، و إن خصصت كانت توفيقا خاصا كذا ذكره إمام الحرمين [٣] و قال: ثم الموفق لا يعصي إذ لا قدرة له على المعصية و بالعكس،
[١] العصمة: المنع يقال: عصمه الطعام أي منعه من الجوع، و العصمة أيضا الحفظ، و قد عصمه يعصمه بالكسر، عصمه فانعصم، و اعتصم باللّه أي امتنع بلطفه من المعصية، و قوله تعالى لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يجوز أن يراد لا معصوم أي لا ذا عصمة فيكون فاعل بمعنى مفعول، و المعصم موضع السوار من الساعد، و اعتصم بكذا و استعصم به إذا تقوى و امتنع، و في المثل: كن عصاميا و لا تكن عظاميا يريدون به قوله:
نفس عصام سودت عصاما و علمته الكرّ و الإقداما
[٢] سورة السجدة آية رقم ١٣.
[٣] هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويين، أبو المعالي ركن الدين الملقب بإمام-