شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٥١
عليه فمرحبا بالوفاق، لكن يلزم منه فساد مذهب الاعتزال [١] بالكلية لأنه لا فرق في العقل بين أن يأمر اللّه العبد بما يكون فعلا للّه تعالى، و أن يأمره بفعل يجب حصوله عند فعل اللّه تعالى، و يمتنع حصوله عند عدمه، فإن المأمور على كلا التقديرين لا يكون متمكنا من الفعل و الترك، و لا بين أن يعذب اللّه العبد على ما أوجده فيه، و أن يعذبه على ما يجب حصوله عند حصول ما أحدثه اللّه فيه، و لا بين فاعل القبيح و الظلم، و فاعل ما يوجب القبيح و الظلم فمن اعترف بوجوب حصول الفعل عند حصول الإرادة الحادثة، انسد عليه باب الاعتزال. فظهر أن أبا الحسين كان من المنكرين لمذهب الاعتزال في هذه المسألة، و أن مبالغته في دعوى الضرورة فيها كانت على سبيل التغبية و التلبيس، و زعم بعض المتأخرين من المعتزلة أن معنى الوجوب عند خلوص الداعي، أنا نعلم أن القادر بفعله مع إمكان الترك، كما نعلم أن اللّه يثيب الأنبياء و الأولياء بالجنة، و يعاقب الكفار بالنار، مع إمكان تركهما نعلم أن العرب لو قدروا على مثل القرآن مع توافر الدواعي و انتفاء الموانع لأتوا بمثله، و لا وجوب الإتيان بمثله بمعنى الذي ذكرنا لما عرفنا عجزه لجواز أن يقدروا و لا يأتوا به، و فيه نظر لأنه إما أن يلزم مع خلوص الداعي صدور الفعل من القادر. بحيث لا يصح منه الترك و إن كان ممكنا في نفسه! و بالنظر إلى أصل قدرته و إرادته فيتم ما ذكره الإمام من وجوب الفعل لظهور أن تلك الداعية و الإرادة الجازمة [٢] ليستا بإرادة العبد، و هذا هو المعنى بالجبر، الذي يقول به أهل الحق، و يلزم أبا الحسين لا الجبر المغلق الذي يقول به المجبرة. و بطلانه ضروري. و إما أن لا يلزم [٣] فلا معنى لتسميته بالوجوب، و لا طريق إلى العلم بالصدور، بل هو رجم بالغيب، لأن المفروض تساوي الأمرين، و إما العلم فرع اعتقاد الوجوب، ألا يرى أنه إذا قيل من أين عرفت عجز المتحدين؟ قيل لأنه خلصت دواعيهم [٤] فلو قدروا لأتوا به، و هذا معنى الوجوب لأنه، استدلال بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، و لهذا يستدل بنفي الفعل عند تحقق القدرة على نفي الداعية و جزم الإرادة.
[١] في (ب) المعتزلة بدلا من الاعتزال.
[٢] في (ب) الحادثة بدلا من (الجازمة).
[٣] في (ب) و إن لم بدلا من (و إما أن لا يلزم).
[٤] في (ب) خصلة و هو تحريف.