شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨٠
لا كما زعم المستدل و لهذا صرح، في آخر الآية بنفي مشيئة هدايتهم، و أنه لو شاء لفعل البتة إزالة للوهم الذي ذهب إليه المستدل.
السابع: قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [١] دلّ على أنه أراد من الكل الطاعة و العبادة لا المعصية.
و رد بعد تسليم دلالة لام الفرض على كون ما بعدها، مرادا بمنع العموم للقطع بخروج من مات على الصبا أو الجنون، فليخرج من مات على الكفر.
و لو سلم فليس المقصود بيان خلقهم لهذا الغرض بل بيان استغنائه عنهم و افتقارهم إليه بدليل قوله تعالى ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [٢] فكأنه قال و ما خلقتهم لينفعوني بل لآمرهم بالعبادة أو ليتذللوا إليّ أما بالنسبة إلى المطيع فظاهر، و أما بالنسبة إلى العاصي فبشهادة الفطرة على تذلله، و إن تخرص و افترى. كذا في الارشاد لإمام الحرمين.
و ذهب كثير من أهل التأويل إلى أن المعنى ليكونوا عبادا لي فتكون الآية على عمومها على أنها يعارضها قوله تعالى وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ [٣] و قوله تعالى إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [٤] و جعل اللام للعاقبة كما في قوله تعالى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [٥] إنما يصح في فعل من يجهل العواقب فيفعل لغرض فلا يحصل ذلك بل ضده فيجعل كأنه فعل الفاعل لهذا الغرض الفاسد تنبيها على أخطائه، و كيف يتصور في علام الغيوب أن يفعل فعلا لغرض يعلم قطعا أنه لا يحصل البتة بل يحصل ضده. و العجب من المعتزلة كيف لا يعدون ذلك سفها و عبثا ..؟
[١] سورة الذاريات آية رقم ٥٦.
[٢] سورة الذاريات آية رقم ٥٧.
[٣] سورة الأعراف آية رقم ١٧٩.
[٤] سورة آل عمران آية رقم ١٧٨.
[٥] سورة القصص آية رقم ٨.