شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩١
مرّ و لقوة الأخيرين ذهب البعض منا إلى الحسن و القبح عقلا في بعض الأفعال).
للمعتزلة في كون الحسن و القبح عقليين وجوه:
الأول: و هو عمدتهم القصوى أن حسن مثل العدل و الإحسان، و قبح مثل الظلم و الكفران مما اتفق عليه العقلاء حتى الذين لا يتدينون بدين و لا يقولون بشرع كالبراهمة [١] و الدهرية [٢] و غيرهم، بل ربما يبالغ فيه غير المليين حتى يستقبحون ذبح الحيوانات. و ذلك مع اختلاف أغراضهم و عاداتهم و رسومهم و مواصفاتهم. فلو لا أنه ذاتي للفعل يعلم بالعقل لما كان كذلك.
و الجواب: منع الاتفاق على الحسن و القبح بالمعنى المتنازع، و هو كونه متعلق المدح و الذم عند اللّه تعالى، و استحقاق الثواب و العقاب في حكمه، بل بمعنى ملاءمة غرض العامة و طباعهم و عدمها، و متعلق المدح و الذم في مجاري العقول و العادات و لا نزاع في ذلك فبطل اعتراضهم بأنا نعني بالحسن ما ليس لفعله مدخل في استحقاق الذم، و بالقبح خلافه، و أما اعتراضهم بأنه لما ثبت المدح و الذم و استحقاق الثواب و العقاب في الشاهد، فكذا في الغائب قياسا، فلا يخفى ضعفه. كيف، و غير المتشرع ربما لا يقول بدار الآخرة و الثواب و العقاب.
الثاني: أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق و الكذب بحيث لا مرجح أصلا و لا علم باستقرار الشرائع على تحسين الصدق، و تقبيح الكذب، فإنه يؤثر الصدق
[١] طائفة دينية موطنها الهند تنتسب إلى إبراهام، و البراهمة هم طبقة الكهنة و الحكام و الفلاسفة اعلى المراتب في الديانة الهندوكية و يمثلون طبقة اجتماعية وراثية خاصة يقول الشهرستاني: ثم إن البراهمة تفرقوا أصنافا فمنهم أصحاب البددة، أي البوذيين راجع ما كتبه البيروني في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة». و فيه تفصيل لهذا المذهب و ما تفعله هذه الطائفة.
[٢] مذهب اعتقادي اشتق اسمه من الدهر و القول بأزليته و قدمه و أن الحياة بما في ذلك أفعال البشر تجري نتيجة للقوانين الطبيعية و إلى هذا تشير الآية وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. و يستتبع ذلك اعتقادهم أن المادة لا تفنى، و أن الحواس هي أبواب المعرفة دون غيرها و أن المحسوسات هي الحقيقة الثابتة لهذا كثيرا ما يطلق على الدهرية اسم المادية أو الطبيعية و إن كانت تختلف الواحدة عن الأخرى في بعض الوجوه و قد نشأت هذه المدرسة في التفكير الإسلامي نتيجة للتأثر بمترجمات الفلسفة اليونانية.
راجع القاموس الإسلامي ج ٢ ص ٣٩٧.