شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١١
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ [١] يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً [٢] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [٣] بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [٤] وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [٥] وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [٦] إلى غير ذلك.
فهي عندنا راجعة إلى خلق الإيمان و الاهتداء، و الكفر و الضلال بناء على ما مرّ من أنه الخالق وحده خلافا للمعتزلة بناء على أصلهم الفاسد. أنه لو خلق فيهم الهدى [٧] و الضلال لما صح منه المدح و الثواب و الذم و العقاب فحملوا الهداية على الإرشاد إلى طريق الحق بالبيان، و نصب الأدلة أو الإرشاد في الآخرة إلى طريق الجنة، و الإضلال على الإهلاك، و التعذيب أو التسمية و التثبيت [٨] و التلقيب بالضال أو، الوجدان ضالا و لما ظهر على بعضهم أن بعض هذه المعاني تقبل التعليق بالمشيئة و بعضها لا يخص المؤمن دون الكافر، و بعضها ليس مضافا إلى اللّه تعالى دون النبي صلى اللّه عليه و سلّم، و بعض معاني الإضلال لا يقابل الهداية، جعلوا الهداية بمعنى الدلالة الموصلة إلى النعيم [٩] و الإضلال مع أنه فعل الشيطان مسندا إلى اللّه تعالى مجازا لما أنه بإقداره، و تمكينه، و لأن ضلالهم بواسطة ضربه المثل في يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً [١٠] أو بواسطة الفتنة التي هي الابتلاء و التكليف في تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ [١١] و نحن نقول:
بل الهداية هي الدلالة على الطريق الموصل سواء كانت موصلة أم لا و العدول إلى المجاز، إنما ليصح عند تعذر الحقيقة، و لا تعذر. و بعض المواضع من كلام اللّه تعالى يشهد للمتأمل بأن إضافة الهداية و الإضلال إلى اللّه تعالى ليست إلا بطريق الحقيقة و اللّه الهادي.
[١] سورة الأعراف آية رقم ١٥٥.
[٢] سورة البقرة آية رقم ٢٦.
[٣] سورة البقرة آية رقم ٧.
[٤] سورة النساء آية رقم ١٥٥ و قد جاءت هذه الآية محرفة في أولها بزيادة (أي).
[٥] سورة الأنعام آية رقم ٢٥.
[٦] سورة البقرة آية رقم ١٥.
[٧] الهدى بضم الهاء و فتح الدال: الرشاد و الدلالة يذكر و يؤنث قال تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ و المعنى ارشدنا و قيل: أي قدمنا إليه و قيل: ثبتنا عليه، و قيل: وفقنا، و قيل: ارزقنا، و كلها أقوال متقاربة قال ابن عطية: الهداية في اللغة: الإرشاد لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد و كلها لو تأملت رجعت إليه.
[٨] في (ب) و التثبيت بدلا من (التلقيب).
[٩] في (ب) النعيم بدلا من البغية.
[١٠] سورة البقرة آية رقم ٢٦.
[١١] سورة الأعراف آية ١٥٥.