شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٣٤
الثامن: أجمع الأنبياء و الأولياء و جميع العقلاء على الدعاء لدفع البلاء [١]، و كشف البأساء و الضراء، فعندكم يكون ذلك سؤالا من اللّه تعالى أن يغير الأصلح، و يمنع الواجب و هو ظلم.
التاسع: أن أعطى أبا جهل [٢] لعنه اللّه غاية مقدوره من المصالح و الألطاف، فقد سوى بين النبي صلى اللّه عليه و سلّم و بين أبي جهل في الإنعام و الإحسان و رجع فضل النبي عليه السلام إلى محصن اختياره من غير امتنان، و إن منع أبا جهل بعض المصالح و الألطاف فقد ترك الواجب و لزم السفه و الظلم على ما هو أصلكم الفاسد.
العاشر: لو وجب الأصلح لما بقي للتفضل مجال، و لم يكن اللّه خيرة في الإنعام و الإفضال و هو باطل لقوله تعالى وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ [٣] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [٤] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [٥] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [٦] و لعمري إن مفاسد هذا الأصل أظهر من أن تخفى، و أكثر من أن تحصى، و لو وجب على اللّه الأصلح للعباد لما ضل المعتزلة طريق الرشاد.
[١] أخرج ابن ماجه بسنده عن ثوبان قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم «لا يزيد في العمر إلا البر، و لا يرد القضاء إلا الدعاء و إن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها».
[٢] هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميّ القرشيّ، أشد الناس عداوة للنبي صلى اللّه عليه و سلّم في صدر الاسلام، و أحد سادات قريش و أبطالها في الجاهلية.
قال صاحب عيون الأخبار: سودت قريش أبا جهل و لم يطر شاربه فادخلته دار الندوة مع الكهول، أدرك الإسلام، و كان يقال له أبو الحكم فدعاه المسلمون أبا جهل، قتل في غزوة بدر عام ٢ ه راجع ابن الأثير: ١: ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٧، و السيرة الحلبية ٢: ٣٢
[٣] سورة القصص آية رقم ٦٨
[٤] سورة البقرة آية رقم ١٠٥
[٥] سورة البقرة آية رقم ٢٦٩
[٦] سورة آل عمران آية رقم ٣٣