شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٦
صوت و حرف كما يرى في الآخرة بلا كم و كيف، أو أنه سمع بصوت من جميع الجهات أو من جهة بلا اكتساب).
هذا جواب آخر لأصحابنا تقريره، أن المراد بالمذكور العربي المنزل المقروء المسموع المكتوب إلى آخر الخواص هو المعنى القديم، إلا أنه وصف بما هو من صفات الأصوات و الحروف الدالة عليه مجازا أو وصفا للمدلول بصفة الدال عليه [١] كما يقال: سمعت هذا المعنى من فلان و قرأته في بعض الكتب، و كتبته بيدي. و هذا ما قال أصحابنا: إن القراءة حادثة أعني أصوات القارئ التي هي من اكتسابه يؤمر بها تارة إيجابا أو ندبا و منهى عنها حينا! و كذا الكتابة: أعني حركات الكاتب، و الأحرف المرسومة، و أما المقروء بالقراءة المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المسموع بالآذان فقديم، ليس حالا في لسان و لا قلب و لا مصحف، لأن المراد به المعلوم بالقراءة المفهوم من الخطوط و من الأصوات المسموعة، و كذا المنزل. إذ معنى الإنزال أن جبريل عليه الصلاة و السلام أدرك كلام اللّه تعالى و هو في [٢] مقامه ثم نزل إلى الأرض و أفهم النبي صلى اللّه عليه و سلّم ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام.
فإن قيل: إذا أريد بكلام اللّه تعالى المنتظم من الحروف المسموعة من غير اعتبار تعين المحل، فكل أحد منا يسمع كلام اللّه تعالى، و كذا إذا أريد به المعنى الأزلي، و أريد بسماعه فهمه من الأصوات المسموعة! فما وجه اختصاص موسى عليه الصلاة و السلام بأنه كليم اللّه تعالى.
فإن قلنا فيه أوجه: أحدهما و هو اختيار الإمام حجة الإسلام رحمه اللّه، أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت و لا حرف، كما ترى ذاته في الآخرة بلا كم، و لا كيف، و هذا على مذهب من يجوز تعلق الرؤية و السماع بكل موجود حتى الذات و الصفات، لكن سماع غير الصوت و الحرف لا يكون إلا بطريق خرق العادة.
و ثانيها: أنه سمعه بصوت من جميع الجهات على خلاف ما هو العادة.
[١] في (أ) بزيادة لفظ (عليه).
[٢] في (ب) من بدلا من (في).