شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٢
و ثانيهما: أنه لو كان أزليا لزم أزلية المكونات ضرورة امتناع التأثير بالفعل بدون الأثر.
فإن قيل: المراد بالتكوين صفة أزلية بها تتكون الأشياء لأوقاتها، و تخرج من العدم إلى الوجود فيما لا يزال، و ليست نفس القدرة لأن مقتضى القدرة، و متعلقها، إنما هو صحة المقدور، و كونه ممكن الوجود، و مقتضى التكوين و متعلقه وجود المكون في وقته على أنه لو أريد بالتكوين نفس الإحداث و الإخراج من العدم، فأزليته لا تستلزم أزلية المخلوق، لأنه لما كان دائما مستمرا إلى زمان وجود المخلوق، و ترتبه عليه لم يكن هذا من انفكاك الأثر عن المؤثر، و تخلف المعلول عن العلة في شيء، و لم يكن كالضرب بلا مضروب، و الكسر بلا مكسور، و إنما يلزم ذلك في التكوين الذي يكون من الأعراض التي لا بقاء لها.
قلنا: و ما الدليل على أن تلك الصفة غير القدرة المتعلقة بأحد طرفي الفعل و الترك المقترنة بإرادته. كيف و قد فسروا القدرة بأنها صفة تؤثر على وفق الإرادة أي إنما [١] تؤثر بالفعل، و يجب صدور الأثر عنه عند انضمام الإرادة، و أما بالنظر إلى نفسها، و عدم اقترانها بالإرادة المرجحة لأحد طرفي الفعل و الترك، فلا يكون إلا جائز التأثير، فلهذا لا يلزم وجود جميع المقدورات، و لما ذكرنا من أن القدرة جائز التأثير، و إنما يجب بالإرادة، قال الإمام الرازي: إن الصفة التي تسمونها التكوين يكون تأثيرها أي بالنظر إلى نفسها إما على سبيل الجواز، فلا تتميز عن القدرة، أو على سبيل الوجوب فلا يكون الواجب مختارا بل موجبا، و لا يرد عليه اعتراض صاحب التلخيص بأن الوجوب اللاحق لا ينافي الاختيار. لأن معناه أنه تعالى إذا أراد خلق شيء من مقدوراته، كان حصول ذلك الشيء منه واجبا. لأن هذا هو القسم الأول. أعني ما يكون تأثيره بالنظر إلى نفسه على سبيل الجواز- قوله- و ما نقل قد اشتهر عن الأشعريّ أن التأثير نفس الأثر، و التكوين نفس المكون، و هذا بظاهره فاسد، و فساده غني عن التنبيه فضلا عن الدليل و الذي يشعر به كلا
[١] في (أ) بزيادة لفظ (أي).