شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢٨
فإن قيل: فيلزم جواز ذلك للعبد أيضا.
أجيب: بالتزامه أو بالفرق، فإن اللّه عالم بالتمكن من التعويض بخلاف العبد، و أما الإيلام بدون الرضا لمنفعة الغير على ما يراه الضميري في إيلام زيد لاعتبار عمرو، و جمهور المعتزلة في ذبح الحيوانات و استعمالها لمنافع العباد، فلا يعقل حسنه، و منها أنهم ذهبوا إلى أن آلام غير العاقل من الصبيان و المجانين و البهائم حسنة لالتزام أعواض يزيد عليها، ثم اضطربوا في أنها تكون في الدنيا، أم في الآخرة. و في أن البهائم هل تدخل الجنة؟ و يخلق فيها العقل و العلم، و أن ذلك عوض أم لا؟ و في أن عاقبة أمرها ما ذا؟ و في بعض التفاسير أن قول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [١] يكون حين يوصل اللّه تعالى إلى البهائم أعواضها، ثم يجعلها ترابا.
و أما أعواض الكفار، و الفساق فقيل في الدنيا، و قيل في النار بتخفيف العذاب.
قال (الثالث الجزاء و سيأتي) و هو الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية و سيأتي في مقصد السمعيات على التفصيل.
قال (الرابع الاحترام) إذا علم من المعصوم أو التائب أنه يكفر أو يفسق لو بقي لما في تركه من تفويت الغرض، و جمهورهم على أنه لا يجب لأن التفويت إنما هو بفعل العبد. ذهب بعض المعتزلة إلى أن الباري تعالى إذا علم من المؤمن المعصوم أو التائب أنه إن أبقاه حيّا يكفر أو يفسق يجب اخترامه لأن في تركه تفويتا للغرض بعد حصوله و هو قبيح. و الأكثرون على أنه لا يجب، لأن تفويت الغرض، إنما هو بفعل العبد، و هو المعصية لا بالتبقية، و لأنه لم يخترم من كفر بعد الإيمان، و عصى بعد الطاعة، و لم يخترم إبليس مع ما روي أنه عبد اللّه تعالى عشرين ألف سنة ثم كفر.
و القول بأن ذلك كان مع النفاق بعيد جدا، و الاستدلال بقوله تعالى وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ [٢] ضعيف لقول المفسرين إنه بمعنى صار أو كان من جنس كفرة الجن
[١] سورة النبأ آية رقم ٤٠
[٢] هذا جزء من آية من سورة البقرة ٣٤ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ.