شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٤
هي الأبعاض، و كل مركب محتاج إلى جزئه، و لا شيء من المحتاج بواجب، و ليس بعرض لأن كل عرض محتاج إلى محل يقومه، إذ لا معنى له سوى ذلك و لا جوهر؛ لأن معنى الجوهر ممكن يستغني عن المحل أو ماهية إذا وجدت كانت لا من موضوع فيكون وجوده زائدا عليه، و الواجب ليس كذلك على ما سبق، و ليس في مكان وجهه؛ لأن المكان [١] اسم للسطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى أو للفراغ الذي يشغله الجسم و الجهة اسم المنتهى مأخذ الإشارة، و مقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم و الجسماني و الواجب ليس كذلك.
و للمتكلمين خصوصا القدماء منهم في هذه التنزيهات مسلك آخر ففي نفي الجوهرية و العرضية أن الجوهر اسم لما يتركب منه الشيء، و العرض لما يستحيل بقاؤه و إن كان يصح في الشاهد أن كل جوهر قائم بنفسه و كل قائم بنفسه جوهر، و كل عرض قائم بالغير و كل قائم بالغير عرض، إلا أن إطلاق الاسم ليس من هذه الجهة، بل من جهة ما ذكرنا بدلالة اللغة.
يقال: فلان يجري على جوهره الشريف، أي أصله و هذا الثوب جوهريّ.
أي محكم الأصل جيد الصنعة و هذا الأمر عارض أي يزول، و عرض لفلان أمر
[١] المكان الموضع، و جمعه أمكنة و هو المحل المحدد الذي يشغله الجسم تقول مكان فسيح، و مكان ضيق، و هو مرادف للامتداد، و معناه عند ابن سينا السطح الباطن من الجرم الحاوي المماس للسطح الظاهر للجسم المحوي (راجع رسالة الحدود ٩٤). و عند المتكلمين: الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، و ينفذ فيه أبعاده (تعريفات الجرجاني). و المكان عند الحكماء الإشراقيين هو البعد المجرد الموجود، و هو ألطف من الجسمانيات، و أكثف من المجردات، ينفذ فيه الجسم و ينطبق البعد الحال فيه على ذلك البعد في أعماقه و أقطاره، فعلى هذا يكون المكان بعدا منقسما في جميع الجهات، مساويا للبعد الذي في الجسم، بحيث ينطبق أحدهما على الآخر، ساريا فيه بكليته (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي). و المكان عند المحدثين وسط مثالي غير متداخل الأجزاء، حاو للأجسام المستقرة فيه، محيط بكل امتداد متناه، و هو متجانس الأقسام متشابه الخواص في جميع الجهات.